تشهد الساحة اللبنانية حراكا دبلوماسيا مكثّفا تقوده واشنطن، يرتكز على مبادرة متكاملة تُطرح على لبنان تحت عنوان «إدارة منطقة جنوب الليطاني ما بعد تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار»، والمقصود هنا إنشاء الحزام الأمني تحت مسمّى «المنطقة الاقتصادية»، وتتضمن المبادرة الأميركية وفق معلومات موثوقة حصلت عليها «اللواء»، عناصر عدّة، أبرزها:
أولا: ضمانات أميركية مكتوبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع ضمانات لبنانية بإخلاء منطقة جنوب الليطاني نهائيا من السلاح، وإعلان حزب لله رسميا التزامه بقرار الدولة.
ثانيا: دعم عسكري حقيقي للجيش اللبناني يمكّنه من الانتشار في كامل منطقة جنوب الليطاني، وتغطية الفراغ الأمني الذي سيخلفه انسحاب قوات اليونيفيل.
ثالثا: مشاركة موفدين «شيعي وسنّي» في لجنة «الميكانيزم».
رابعا: بالنسبة الى أسلحة وصواريخ حزب لله الدقيقة والثقيلة، فهناك بحث أميركي مكثف مع جهات دولية وعربية ولبنانية وإقليمية لمنح الحزب ثمنا سياسيا وازنا في حال تسليمها، وسط حديث مصادر دبلوماسية عن وساطة عربية على خط طهران وواشنطن والحزب لإعادة هذه الصواريخ الى طهران.
خامسا: تعهد واشنطن بتأمين الأموال اللازمة لإعادة الإعمار فور سريان الاتفاق، ويجري الحديث عن رصد ميزانية ضخمة للإعمار تتجاوز ١٥ مليار دولار مموّلة من دولتين عربيتين.
سادسا: استئناف أعمال التنقيب عن النفط والغاز مباشرة بعد موافقة لبنان على الاتفاق.
سابعا: التزام لبنان والكيان الغاصب باتفاقية الهدنة ١٩٤٩ كبديل عن أي تطبيع مباشر بين الطرفين في مرحلة أولى، على أن تليها مفاوضات جديدة برعاية أميركية للتوصل الى سلام دائم بينهما.
وبحسب المعطيات، أبلغ لبنان الأميركيين استعداده للبحث في «المنطقة الاقتصادية» المقترحة جنوباً، ولكن بعد تنفيذ العدو اتفاق وقف اطلاق النار، وانسحابه الكامل من الأراضي اللبنانية، وإعادة الأسرى.
على ان هذا الشرط اللبناني المسبق،؛ شكّل النقطة المركزية في المباحثات بين واشنطن ولبنان، إذ اعتبرته بيروت الضمانة الوحيدة لعدم التحوّل إلى شريك في ترتيبات أمنية أحادية الجانب لصالح العدو.
ورغم إنكار الأطراف اللبنانية المعنية وجود بحث جديّ في «المنطقة الاقتصادية» أو «التسوية الجديدة» التي يتولى السفير الأميركي ميشال عيسى إدارتها بتفويض مباشر من الرئيس دونالد ترامب، إلّا أن المعلومات والوقائع تشير إلى وجود موافقة لبنانية مبدئية على الطرح الأميركي وتحديدا حول مسألة «المنطقة الاقتصادية»، والاستعداد لبحثه إذا نفذ العدو الشروط اللبنانية، فيما يبقى الخلاف قائماً حول التفاصيل الجوهرية، وأهمها:
هل ستكون المنطقة خالـية من السكان، أم سيسمح بعودة الأهالي ضمن شروط أمنية صارمة تُشبه المرحلة التي سادت أيام الاحتلال الإسرائيلي للجنوب؟
وهنا بيت القصيد، فواشنطن لا تمانع عودة الأهالي ولكن ضمن شروط معينة، وهذا ما واجه رفضاً قاطعاً من الدولة اللبنانية، التي اعتبرت أن أي صيغة تعيد تجربة الاحتلال بشكل مقنع هي مرفوضة جملة وتفصيلا.
وعلى خط موازٍ، حاولت باريس عبر زيارة مبعوثها جان إيف لودريان الإيحاء بأن مهمته تقتصر على شكر الدولة اللبنانية لإشراك السفير سيمون كرم في لجنة الميكانيزم، والتحضير لمؤتمر دعم الجيش المزمع عقده في ١٩ الجاري، وقد لقي هذا الموقف ترحيبا من فريق الثنائي، الذي قدّر الخطوة الفرنسية، ولكنه في المقابل اعتبرها غير كاملة في ظل تلكؤ باريس عن أداء دورها كجهة ضامنة لاتفاق وقف إطلاق النار.
لكن الوقائع المتقاطعة تؤكد أن المصلحة الفرنسية تقدّمت على هذين العنوانين، وأن لودريان جاء أساساً لحجز موقع لفرنسا في مرحلة ما بعد «اليونيفيل»، وهي المرحلة التي ستشهد وفق التصور الأميركي، انبثاق ترويكا «أميركية - لبنانية - عربية» تتولى إدارة المنطقة الاقتصادية وتطبيق التسوية الجديدة جنوب الليطاني.
وتشير المعطيات الى ان الفرنسيين أبلغوا مرجعاً لبنانياً مهماً بأنهم غير قادرين عملياً على تجاوز العزل الأميركي، إلّا بطلب لبناني رسمي يضعهم في موقع «الضامن» في إدارة المرحلة الجديدة، فباريس تدرك ان واشنطن باتت الممسكة بالمفاتيح الأساسية في لبنان، وأن دورها في أي اتفاق جديد سيكون مكمّلا لا مقررا.
في المحصلة، فان لبنان يقف اليوم أمام مبادرة أميركية غير مسبوقة، تتقاطع مع حركة «فرنسية - عربية» تسعى إلى رسم شكل «الجنوب الجديد».. وهنا، تجدر الإشارة، الى انه رغم الضغوط والتهويل بالحرب، فان الموقف اللبناني نقلا عن مراجع رسمية ومهمة، واضح وثابت: لا بحث في المنطقة الاقتصادية ولا في أي تسوية جديدة، قبل وقف العدوان، وانسحاب العدو، وإعادة الأسرى...