القانون الدولي الإنساني... جسرٌ بين المؤسسة العسكرية والسلطة الرابعة
لم تُوصَف الصحافة بالسلطة الرابعة اعتباطاً، بل لأنها تضطلع بدورٍ رقابي على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فتراقب أدائها، وتُساءلها، وتدافع عن حق المجتمع في المعرفة. فهي العين التي تراقب، والصوت الذي يُساءل، والذاكرة التي تحفظ الوقائع. والجسر الذي يربط حق المجتمع في المعرفة بمسؤولية نقل الحقيقة. ومع الثورة الرقمية والتدفق الهائل للمعلومات، تضاعف تأثير الإعلام، وأصبحت الكلمة قادرة على عبور الحدود والوصول إلى ملايين البشر في لحظات، حتى غدا الخطأ في نقل الحقيقة لا يقل خطورةً عن الخطأ في الميدان. غير أن هذا الاتساع في التأثير جعل مسؤولية الصحافي أكبر من أي وقت مضى، إذ لم يعد كافياً أن يكون ناقلاً للخبر، بل بات مطالباً بأن يكون أميناً على الحقيقة، ومدركاً للأبعاد القانونية والأخلاقية لما يكتب.
ومن هنا، تبرز أهمية الوعي القانوني لدى الصحافي، ففي عالمٍ تتزايد فيه النزاعات المسلحة، وتتداخل فيه الوقائع بالسرديات المتنافسة، لم يعد القانون الدولي الإنساني حكراً على العسكريين أو القانونيين، بل أصبح جزءاً من الثقافة المهنية التي يحتاجها كل صحافي يغطّي الحروب والأزمات. فالكلمة في زمن النزاعات ليست مجرد وصفٍ لحدث، بل قد تتحوّل إلى وثيقة تحفظ حقاً، أو دليل يكشف انتهاكاً، أو شهادة تنصف ضحية، فالإلمام بالقانون الدولي الإنساني يمنح الصحافي القدرة على التمييز بين الحقيقة والأخبار المضلِّلة، وبين الرواية المنحازة والواقعة المثبتة، ويجعله أكثر التزاماً بالدقة والموضوعية. ولعلّ ما يختصر هذه الفكرة مقولة مفادها: «ليست كل الحروب تُحسم بالسلاح، فبعضها يُحسم بالمعرفة». فالقانون الدولي الإنساني لا يُوقِفُ الحروبَ، لكنَّه يضعُ لها حدوداً، ويؤكِّدُ أنَّ الكرامةَ الإنسانيةَ لا يجوزُ انتهاكُها مهما اشتدَّ النزاع.
وانطلاقاً من هذا الوعي، أوفدت الجامعة اليسوعية طلاباً من برنامج ماجستير الصحافة للمشاركة في الدورة الثامنة للقانون الدولي الإنساني، التي نظّمتها مديرية القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان في قيادة الجيش اللبناني، بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية. واستضافت كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان هذه اللقاءات، بإدارة العميد الركن زياد رزق الله، وبمشاركة نخبة من القادة والضباط والخبراء. وقد شكّلت هذه الدورة مساحةً للحوار والتعلّم، التقت فيها الخبرة العسكرية بالرؤية الإعلامية تحت مظلة القانون الدولي الإنساني، وأكدت أن احترام القانون ليس مسؤولية العسكري وحده، ولا الصحافي وحده، بل مسؤولية كل من يحمل السلاح دفاعاً عن الوطن، أو يحمل الكلمة دفاعاً عن الحقيقة والإنسانية. وتناولت المحاضرات المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها مبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية، وآليات تطبيق اتفاقيات جنيف، من خلال أمثلة وتطبيقات عملية قرّبت النصوص القانونية من الواقع، وأظهرت أن هذه القواعد ليست نصوصاً جامدة، بل منظومةٌ قانونيةٌ متكاملةٌ تهدف إلى الحدّ من ويلات الحروب وصون الكرامة الإنسانية خلال فترات النزاع.
وكان من أبرز ما رسّخه المحاضرون في أذهاننا أن دقة المصطلح الصحافي مسؤولية قانونية قبل أن تكون مهارة لغوية. فاختيار كلمةٍ واحدة في غير سياقها قد يغيّر توصيف حدثٍ بأكمله، ويؤثر في فهم الرأي العام. كما أن التوثيق المهني للانتهاكات ليس مجرد جمعٍ للمعلومات، بل عملية منهجية تستند إلى معايير قانونية وأخلاقية، تحفظ حقوق الضحايا، وتصون الذاكرة الجماعية، وتشكّل أساساً لأي مساءلة مستقبلية. فالتوثيق الدقيق ليس حفظاً للذاكرة فحسب، بل هو الخطوة الأولى في طريق العدالة. وتزداد أهمية هذه المعارف في ظل ما يشهده لبنان من اعتداءات وانتهاكات طالت المدنيين، والإعلاميين، والأعيان المحمية. ففي مثل هذه الظروف، يصبح امتلاك الصحافي للثقافة القانونية عنصراً أساسياً في تغطية الأحداث بمسؤولية، بعيداً عن التهويل أو الانحياز أو استخدام مصطلحات تفتقر إلى الدقة القانونية.
وأخيراً، لا يسعني إلّا أن أتقدّم بخالص الشكر و التقدير والامتنان إلى القائمين على هذه الدورة، وفي مقدمتهم العميد الركن زياد رزق الله، وإلى جميع القادة والضباط والمحاضرين الذين نقلوا إلينا خلاصة علمهم وتجاربهم. أعتزّ بأن في وطني قادةً يجمعون بين الإلمام العميق بالقانون والحرص على تطبيقه، وبين الانضباط العسكري والإنسانية. وكان لي شرف التعلّم من خبراتهم والاستفادة من رؤيتهم. وقد أكدوا من خلال هذه المبادرة أن المؤسسة العسكرية لا تحمي الوطن فحسب، بل تؤدي أيضاً دوراً رائداً في نشر ثقافة القانون، وتعزيز الوعي الوطني، وبناء جسور الثقة والتعاون مع الإعلام والصحافة.
وفي ختام هذه التجربة، وفي السابع من تموز، وبعد أيامٍ مكثفة من التدريب والتعمّق في مبادئ القانون الدولي الإنساني، غادرنا ونحن لا نحمل شهادةَ تخرّجٍ قيّمةً فحسب، بل نحمل أيضاً رسالةً وطنية وإنسانية ومسؤولية مهنية. فإذا كانت الصحافة سلطةً رابعة تراقب أداء السلطات الأخرى، فإنها في زمن الحرب تصبح أيضاً ضمير المجتمع، وحارسة الحقيقة، وشريكاً في حماية الكرامة الإنسانية. فالقانون لا يكتسب قيمته من النصوص وحدها، بل من إرادة احترامها. والصحافة لا تكتسب رسالتها من نقل الخبر فقط، بل من قدرتها على صون الحقيقة. وبين قوة القانون وأمانة الكلمة، يبقى الإنسان الغاية الأولى، وتبقى الحقيقة الرسالة الأسمى.






