بيروت - لبنان

اخر الأخبار

6 تشرين الثاني 2025 12:00ص الصحة النفسية إثر الأزمات المتتالية في لبنان

الخطر ليس في الصدمة بل في استمرار العيش داخلها حتى تُصبح مألوفة الخطر ليس في الصدمة بل في استمرار العيش داخلها حتى تُصبح مألوفة
حجم الخط
في بلدٍ تتوالى عليه الأزمات كما تتوالى المواسم، أصبح الألم في لبنان جزءًا من الحياة اليومية.
لم يعد القلق حالة استثنائية، بل بات نمطًا من الوجود.
لذلك كان لا بد أن نطرح السؤال الآتي:
كيف تحوّلت الأزمة الاقتصادية إلى جرح نفسي جماعي؟
وكيف يتجلّى ما يسمى بـ «الانفجار الصامت» في تفاصيل السلوك الفردي والاجتماعي للبنانيين؟

 د.معاوية

للإجابة على هذا الموضوع حاورت «اللواء» الاختصاصي في العلاج النفسي السريري والتوافقي المقيم في الولايات المتحدة الأميركية الدكتور مصطفى معاوية، فكان الحوار التالي: 
- كيف تصف لنا المشهد النفسي العام في لبنان بعد الانهيار المالي، وبالتالي  هل ما نعيشه أزمة اقتصادية فقط، أم حالة نفسية جماعية أكثر عمقًا؟
«نحن لا نعيش أزمة مال فقط، ولا حتى أزمة اقتصادية بالمعنى المجرّد من الأرقام، بل أزمة أعمق وأخطر: أزمة أمانٍ نفسيّ وجوديّ.
فالإنسان حين يفقد الأمان المالي، لا يفقد قدرته على الشراء فقط، بل يفقد ما نسميه في علم النفس السريري الإحساس بالثبات الداخلي (Internal Stability) ، ذلك الشعور غير المرئي الذي يمنحه توازنًا عصبيًا وطمأنينة داخلية.
فالأمان المالي في جوهره ليس مجرد رصيدٍ مصرفي، بل هو امتدادٌ للأمان العصبي.
حين يعرف الإنسان أن الغد مضمون نسبيًا، يظل جهازه العصبي في حالة توازن بين الاستثارة والهدوء.
لكن حين يتحوّل الغد إلى سؤال بلا جواب، يبدأ الدماغ في إطلاق إنذارات متكرّرة تحاكي حالات الخطر الفعلي ،حتى وإن لم يكن هناك تهديد مادي مباشر.
وهكذا يدخل الإنسان في حلقة مفرغة من الاستنفار العصبي المستمر (Chronic Hyperarousal)، فيعيش وكأن الخطر يحيط به دون انقطاع.
هذه الحالة تؤدي تدريجيًا إلى ما يُعرف بـ الإنهاك الجماعي (Collective Burnout)، وهي ليست حالة فردية، بل نمط نفسي شامل يصيب الشعوب التي تتعرّض لضغط مزمن دون انفراج أو أمل قريب.
في هذه الحالة، يفقد المجتمع كاملًا قدرته على إنتاج الهدوء، ويصبح القلق الجماعي (Collective Anxiety) هو المناخ النفسي العام.
فالأجساد تعمل على «وضع الطوارئ»، والعقول تعيش على «وضع البقاء (Survival Mode)»، بينما تُستنزف الموارد العصبية شيئًا فشيئًا.»
- كيف يترجم الوضع على المستوى البيولوجي؟
«على المستوى البيولوجي، يترجم هذا الإرهاق عبر اضطراب إفراز الهرمونات المنظمة للتوازن العصبي.
فيرتفع الكورتيزول» بشكل مزمن، ويتراجع إفراز «السيروتونين والدوبامين»،وهما الهرمونان المسؤولان عن الاستقرار المزاجي والدافعية.
ومع مرور الوقت، يبدأ الدماغ بفقدان قدرته على التنظيم الذاتي (Self-Regulation Dysfunction)،فتظهر أعراض النسيان، ضعف التركيز، تشتّت الانتباه، الاندفاع، فرط الحساسية، والتعب الذهني المستمر.
وهكذا،يتحوّل الإنسان إلى كائن يعيش في حالة «الاستجابة الدائمة»، لا يرتاح حتى حين يرتاح، ولا ينام حتى لو أغمض عينيه.
وهنا يصبح ما نراه في لبنان اليوم أكثر من ضائقة مالية ،هو تفكك في البنية العصبية للمجتمع.
كل أزمة كهرباء أو دواء أو ليرة جديدة لا تضرب الجيب فقط، بل تضرب جهاز الأعصاب، وتعيد برمجة الشعور الجماعي بالعجز.
فالشعوب حين تفقد شعورها بالثبات، تفقد بالتالي قدرتها على التفكير الاستراتيجي، لأن الدماغ المنهك لا يخطّط، بل ينجو.»
-  في ظل غياب الأمان النفسي، ماذا يحصل؟
«في غياب الأمان النفسي، تتحوّل القرارات الكبرى إلى ردود فعل صغيرة، والمجتمع بأسره يعيش ما نسميه في الطب النفسي تآكل الوظائف التنفيذية العليا (Erosion of Executive Functions) ، أي العجز عن التنظيم العاطفي، ضعف القدرة على اتخاذ القرار، واضطراب الرؤية المستقبلية.
وهكذا يصبح اللبناني اليوم يعيش بين الذاكرة والنجاة:
ذاكرته مثقلة بصدمات الأمس، وجهازه العصبي مسجون في استنفارٍ لا يهدأ.»
- هل يمكن القول أن اللبنانيين يعيشون شكلًا من اضطراب ما بعد الصدمة الجماعية؟
«بصورة دقيقة، نعم، ما نرصده اليوم في السلوك الجماعي اللبناني يشبه إلى حدّ كبير ما نسمّيه في علم النفس الإكلينيكي الصدمة المعقّدة (Complex PTSD).
هذه ليست صدمة واحدة تنتهي بمرور الزمن، بل سلسلة متكرّرة من الضغوط والتهديدات النفسية المستمرة التي لا تمنح الإنسان فرصة للتعافي أو إعادة التوازن.
وفي علم الأعصاب النفسي، نعلم أن الصدمة لا تترك أثرها في الذاكرة فقط، بل في الخلايا العصبية نفسها.
حين يعيش الفرد في حالة تهديد مستمر، يظل الجهاز العصبي العاطفي، وبخاصة اللوزة الدماغية (Amygdala)، في حالة استنفار دائم،
في حين يعجز الجزء المنطقي في الدماغ (Prefrontal Cortex) عن استعادة السيطرة وتنظيم الانفعالات.
وهكذا يدخل الجسد والعقل معًا في ما يُعرف بـ «حلقة الاستجابة المستمرة» (Chronic Stress Response Loop) ،حيث لا يعود الدماغ قادراً على العودة إلى وضع الراحة الطبيعي (Resting State)،
بل يبقى محاصرًا بين ثلاث ردود فعل بدائية: القتال، أو الهروب، أو التجمد (Fight, Flight, or Freeze).
في هذه البيئة النفسية المختنقة، تبدأ أنماط التأقلم المرضي (Maladaptive Coping Mechanisms) بالظهور كوسائل غير صحية لتخفيف الألم.
فمنهم من يلجأ إلى التبليد العاطفي (Emotional Numbing)، وهو نوع من التخدير النفسي يجعل صاحبه يعيش دون أن يشعر،ومنهم من يهرب إلى الإفراط في العمل (Overfunctioning) وكأنّ الانشغال المستمر يمنعه من التفكير،ومنهم من يجد في السخرية (Humor as a Defense) وسيلة لتطهير النفس من الخوف، فيحوّل المأساة إلى نكتة، والدموع إلى ضحكةٍ مُرة.
لكن هذه الآليات، وإن بدت نافعة مؤقتًا، هي في حقيقتها محاولات للبقاء في وجه فقدان السيطرة،تمامًا كما يضع الإنسان يده على الجرح ليوقف النزيف دون أن يعالجه.»
-  ماذا عن المخاطر؟
«الخطورة تكمن في ما نسميه في التحليل النفسي الاجتماعي «تطبيع الألم»،
حين يتحول الخطر إلى اعتياد، والاضطراب إلى إيقاع حياة.
فيبدأ المجتمع بالتكيّف مع الجرح بدل أن يلتئم منه.
أي أن الصدمة تصبح حالة وجودية، ويغدو «الألم المستمر»معيارًا جديدًا للثبات.
في هذه المرحلة، يتحوّل الألم إلى هويةٍ جماعية،فلا يعود الناس يعرفون من يكونون دون أوجاعهم.فتُصبح المعاناة مادة للحديث اليومي، وأسلوبًا للتواصل،ويغدو «النجاة» مفهومًا بديلاً عن «الحياة».
هذا النوع من الاضطراب النفسي الجماعي يخلق ما نسمّيه الجمود الوجداني الاجتماعي (Societal Emotional Paralysis)،
أي حالة يصعب فيها على المجتمع أن يشعر بالفرح الحقيقي أو الغضب الفعّال، لأن الجهاز العاطفي العام بات متعبًا ومستهلكًا.
من هنا، أقول إن الخطر الحقيقي ليس في الصدمة نفسها، بل في استمرار العيش داخلها حتى تُصبح مألوفة.»
-  كيف انعكست هذه الحالة على الأسرة اللبنانية؟
 «العائلة، في جوهرها، ليست مجرد وحدة اجتماعية، بل هي الخلية العصبية الأولى في الجسد المجتمعي.
فكل اضطراب يصيب الأمة يبدأ أثره من داخل المنازل، حيث تتقاطع المشاعر، وتتكوّن أولى التجارب الوجدانية للأبناء.
ولذلك يمكن القول إن العائلة هي مختبر الأثر النفسي لكل أزمة.
فعندما ينهار الاقتصاد، لا ينهار السوق وحده، بل تتصدّع البنية العاطفية للأُسر، لأن الأمان المادي جزء أساسي من الشعور بالثبات النفسي داخل المنزل.
في الأزمات الاقتصادية، يظهر ما نطلق عليه في علم النفس الأسري العدوى الانفعالية (Emotional Contagion)،
وهي انتقال المشاعر السلبية من فردٍ إلى آخر كما تنتقل العدوى الفيروسية،
لكنها هنا لا تُقاس بالحرارة، بل بتغيّر نبرة الصوت، نظرة العين، ونمط التنفس.
فالقلق الذي يعيشه الأب لا يحتاج أن يُقال، لأن الطفل يلتقطه بلغة الجسد والاهتزاز العاطفي.
وهكذا ينتقل القلق من الوالدين إلى الأبناء، ومن الزوج إلى الشريك،
ليتحوّل البيت شيئًا فشيئًا إلى نظام مغلق من التوتر التراكمي (Cumulative Stress System)،
تتراكم فيه الضغوط الصغيرة حتى تصبح عبئًا يوميًا غير مرئي.
عندما يفقد الأب الإحساس بالكفاءة، يشعر داخليًا بما نسميه في العلاج التوافقي انهيار الدور (Role Collapse)،أي أن صورته الذهنية عن ذاته كمُعيل أو حامٍ تتزعزع.
وفي المقابل، تعيش الأم ما يمكن وصفه بـ الضغط الوجودي (Existential Stress)،إذ تجد نفسها مطالبةً بتأمين الأمان النفسي والعملي للأسرة في وقتٍ تفتقر فيه هي نفسها إلى الشعور بالأمان.
هنا يتحول البيت من مساحة دفء إلى بيئة توتر خاملة (Latent Tension Environment)،توتر لا يُقال، لكنه يُحَسّ في الهواء، في الوجوه، وفي التفاصيل اليومية الصغيرة.
الأطفال بدورهم يعيشون هذا الخلل العاطفي كزلزال داخلي، إذ تتزعزع في داخلهم ما يسميه علم النفس التنموي نظام التعلّق الآمن (Secure Attachment System).
فهم لا يحتاجون أن يُقال لهم «نحن بخير» بقدر ما يحتاجون أن يشعروا أن الكبار ما زالوا قادرين على الثبات.
وحين يختلّ هذا الإحساس، تظهر اضطرابات الطفولة الكلاسيكية:
القلق الليلي، قضم الأظافر، التبوّل اللاإرادي، فرط الحركة، نوبات الغضب، واضطراب النوم.
هذه ليست مشكلات سلوكية عابرة، بل ترجمة عصبية لغياب الأمان في محيط الطفل.
إنّ ما يحدث داخل الأسرة اليوم في لبنان ليس مجرد اضطراب علاقات،
بل تحوّل في البنية النفسية للأدوار العائلية (Family Role Dynamics).»
-  نلاحظ تصاعدًا في مؤشرات الاكتئاب، الهجرة، وحتى الانتحار، هل يمكن تفسير ذلك ؟
«بالتأكيد، هناك رابط عصبي ونفسي مباشر بين الانهيار الاقتصادي والانهيار العاطفي.
في علم النفس العصبي نعرف ما يسمّى بـ "Economic Depression → Emotional Depression”.
حين تتراجع القدرة الشرائية وتهتز الثقة بالنظام، يشعر الدماغ بأن المستقبل لم يعد قابلًا للتنبؤ.
هذا الشعور بعدم اليقين يفعّل دوائر الخوف في اللوزة الدماغية (Amygdala) ويؤدي إلى فرط إفراز هرمونات التوتر مثل الكورتيزول.
وحين يستمر ذلك لسنوات، يتراجع إنتاج السيروتونين والدوبامين، فيظهر الاكتئاب، ثم اللامبالاة، ثم ما أسميه "الانطفاء النفسي الجماعي (Collective Emotional Numbness)”.
أما الهجرة، فهي في كثير من الحالات آلية دفاع نفسي (Psychological Defense Mechanism) قبل أن تكون قرارًا اقتصاديًا.
إنها هروب من مكان مرتبط بالعجز إلى مكان يمنح أملاً بالسيطرة.
فاللبناني لا يهاجر من وطنه فقط، بل من شعوره بالعجز داخله.»
-  في ظل هذا المشهد المعقّد، كيف يمكن للفرد أن يحمي نفسه من الانهيار النفسي ؟
«المواجهة ليست مقاومة، بل تنظيم نفسي متعدد المستويات.
على المستوى الفردي، يحتاج الإنسان إلى تطوير ما نسمّيه المرونة النفسية (Resilience) ، أي القدرة على العودة إلى التوازن بعد الصدمات.
وهذا لا يتحقق إلا من خلال إدراك الذات، وممارسة الوعي الآني (Mindfulness)، والحفاظ على روتين صحي في النوم، الطعام، والحركة.
لكن على المستوى الاجتماعي، نحتاج إلى إحياء شبكات الدعم الصغيرة: العائلة، الأصدقاء، مجموعات الاهتمام المشتركة، لأن العزلة تسارع في الانهيار النفسي.
أما على المستوى الوجودي أو الروحي، فيجب أن نعيد إحياء المعنى (Meaning Reconstruction).
فالإنسان الذي يمتلك سببًا ليعيش لأجله، يمتلك مقاومة عصبية ونفسية أعلى من أي دواء.»
- برأيك،ما الخطوات التي ينبغي على صناع القرار في لبنان اتخاذها لتضميد هذا الجرح النفسي الجماعي؟
«بداية يجب إصلاح السياسات العامة من منظور نفسي، ولاسيما أن السياسات في لبنان لم تعد تحتاج إلى مجرّد إدارة أو محاسبة، بل إلى مقاربة علاجية شاملة – اجتماعية وفردية في آنٍ واحد.
فالمشهد اللبناني اليوم معقّد إلى حدّ المرض.
كما أن إعادة بناء لبنان لا يمكن أن تبدأ من البنوك أو الوزارات،بل من إعادة تأهيل العقل الجماعي اللبناني الذي تمّ تفكيكه عبر عقود من الفساد والخوف والانقسام،فلا نهضة اقتصادية دون نهضة ذهنية، ولا استقرار سياسي دون استقرار نفسي.
حين يُشفى عقل الجماعة، يمكن للعقل الفردي أن يتنفس ويبدع ويؤمن من جديد.
من هنا تأتي أهمية أن تتحول الصحة النفسية إلى سياسة دولة لا إلى مبادرة فردية.
وتمامًا كما في العلاج النفسي،لن يبدأ التعافي الوطني حتى يعترف المريض بمرضه.
فالانفجار الحقيقي في لبنان ليس سياسيًا ولا ماليًا، بل نفسي صامت.
يحدث كل يوم، داخل البيوت، وفي صدور الناس الذين تعبوا من الحلم».