الرياحُ بين سلطانِ الإرادة وغرورِ الإنسان
د. تاليا عراوي*
في أيام الصيف اللاهب، حين يثقل الجو بوطأة الحرارة التي تكاد توقف نبض الزمن، تظهر النسمة كمعجزة كونية لا تملك يد البشر افتعالها. إنها ليست مجرد تحرك فيزيائي لجزيئات الهواء، بل هي إيماءة ربانية تبعث الروح في الأجساد المنهكة. إنها تلك اللحظة التي يختبر فيها الإنسان غروره التقني أمام عظمة الخالق؛ فبينما نظن أننا سدنا العالم بآلاتنا، تظل نسمةٌ واحدةٌ عاجزةً عن التصنيع هي القادرة على إعادتنا إلى جوهرنا. فما هو السر الذي تحمله هذه الرياح في طياتها؟ وما الذي تخبرنا به عن أنفسنا وعن الغيب الذي يحيط بنا؟
لقد نظر العربي القديم إلى الهواء بمنظار الروح، لا المادة؛ فربط لغوياً ووجدانياً بين «الهواء» و«الهوى»؛ كلاهما خفيّ، جوهريّ، ويسري في النفس دون استئذان. كان الشعر العربي سجلاً لتجليّات هذه القوى؛ فبينما اتخذ «لبيد بن ربيعة» (الصحابيٌ المخضرمٌ الذي أدرك الجاهلية والإسلام) من الريح أداةً للمحو التاريخي وتعرية الديار من آثارها:
عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا... سَرَتِ الرِّيَاحُ بِتُرْبِهَا فَتَعَاوَرَتْ أَسْمَالَهَا
جعلها «عروة بن الورد» (فارسُ الصعاليك الشهمُ) اختباراً للمروءة؛ إذ تتحوّل الريح العاصفة في الشتاء إلى نداء للكرم، حيث يذوب الفرد في معاناة الجماعة، ويجود القادر من قُوته ليدفئ الأيتام، واصفاً ذلك بقوله:
أُقَسِّمُ جِسْمِي فِي جُسُومٍ كَثِيرَةٍ... وَتَجْرِي الرِّيَاحُ بِأَيْدِيهِمْ إِذَا عَصَفَتْ رِيحُ الشِّتَاءِ وَعَضَّ الكَلْبَ أَيْتَامُ
وفي المقابل، كانت ريح «الدبور» القاحلة رمزاً لخيبة الأمل، كما قال المعتمد بن عباد (ذلك الملكُ الشاعرُ الذي تجرّع مرارة الغربة بعد عزّ الملك، والذي امتزجت في شعره رقة العاطفة بصدق الحنين) في وصف تقلب العهود:
وَمَا وَعْدُهَا إِلَّا كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ... أَوْ كَمَهَبِّ الدَّبُورِ إِذَا ذَهَبَتْ تَعْصِفُ
وغدت النسمات في مطلع قصيدة «البوصيري» الشهيرة جسراً وجدانياً يعانق طيف الأحبة (وهو الإمام شرف الدين البوصيري، صاحب «البردة» الذي خلّدت كلماته حب النبي صلى الله عليه وسلم في أبهى صور الوجد الصوفي) حين قال:
أَمِنْ تَذَكُّرِ جِيرَانٍ بِذِي سَلَمِ... مَزَجْتَ دَمْعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ
أَمْ هَبَّتِ الرِّيحُ مِنْ تِلْقَاءِ كَاظِمَةٍ... وَأَوْمَضَ البَرْقُ فِي الظَّلْمَاءِ مِنْ إِضَمِ
هذه الصور الشعرية المتعددة لم تكن في جوهرها سوى محاولاتٍ إنسانيةٍ لقراءة لغة الكون الخفية. ومع ذلك، فإن هذه التأملات الأدبية تكتسب عمقاً أبعد وأكثر قدسية حين نغادر مدارات الشعر لنحطَّ في رحاب الوحي؛ حيث يتوقف الإنسان عن التساؤل كيف تهب الريح؟ ليتأمّل بأمر من تهب؟ وهنا، يتحوّل النسيم من مجرد أداةٍ للمشاعر البشرية إلى جندٍ من جنود الإرادة المطلقة.
الرياح في الوجدان الإسلامي
في الوجدان الإسلامي، تتجاوز الرياح كونها مجرد ظاهرة جوية محكومة بقوانين الضغط والحرارة، لتغدو في ميزان العارفين تجليّاً من تجليّات السلطان الإلهي الذي يُقلّب الكون كيف يشاء. إن تأمّلنا لقصة النبي سليمان عليه السلام لا ينبغي أن يقف عند حدود الإعجاز التاريخي أو خوارق العادات؛ بل يتعدّاه إلى إدراك فلسفة التسخير في أعمق صورها؛ فحين تنقاد الريح لأمر نبيّ الله لتقطع في غدوها ورواحها مسافة شهرين، فإنها لا تفعل ذلك بقوةٍ ذاتيةٍ، بل هي شهادةٌ كونيةٌ بأن هذا الكيان (على عِظم قوته وشدة بأسِه) يظل مأموراً بكلمة «كن»، لا يملك من تدبير أمره شيئاً.
من هذا المقام الرفيع، عَلّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أدب التلقّي في التعامل مع هذا الغيب المحسوس؛ فنهى عن سبّ الريح، مُعيداً توجيه بوصلة النفس من التذمر إلى الاستعاذة والرجاء، في دعائه البليغ: «اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها». إن ربط النبي صلى الله عليه وسلم بين هبوب العواصف وبين ذكرى عذاب الأمم الغابرة، لم يكن تخويفاً عابراً، بل هو تربيةٌ روحيةٌ تُبصرنا بأن الهواء الذي نتنفسه ليس مادةً خاملة، بل هو جندٌ من جند الخالق، مهيبٌ في أثره حين يغضب، ومفتقرٌ إلى رحمته حين يلين.
إن هذا الأدب النبويّ في التعامل مع الطبيعة يضعنا أمام مفارقةٍ حضاريةٍ حادّة مع غرور العصر الحاليّ؛ ففي حين كانت الريح إشارةً ربانيةً تستوجب الوقار والخشية، غرق إنسانُ اليوم في وهْمِ السيادة التقنية، ظانّاً في غمرةِ اندفاعه أن خوارزمياته الجافة قد منحته زمام المصير. لقد اختلطت لدينا موازين القوة؛ فأصبحنا نخلط بين المحاكاة وبين الخلق، متورطين في صلفٍ تقنيٍّ يُقصي الغيب من حساباته، ويحاول اختزال العالم في معادلاتٍ رقميةٍ صمّاء.
غير أن النسيم يظلُّ، في جوهره، تلك السخرية الهادئة التي تكسر الغطرسة وتُعري هشاشتها؛ فهو الذي يتسلل من بين شقوق الآلات ليحيي الأرواح في ساعات الحصار والضيق، مُذكّراً إيانا بحقيقةٍ صارخةٍ رغم بساطتها: إن أثمن ما نملك (هذا الهواء الذي يتردد في صدورنا ويمنحنا الحياة) يظلُّ هبةً مجانيةً مطلقة، عجزت أكبرُ مختبراتنا ومراكز أبحاثنا عن استحضار روحها، أو محاكاة سرّ سريانها في جسد الحياة. إن النسيم هو التذكير الدائم بأننا، رغم كل ذكائنا الاصطناعي، نظل عاجزين أمام النسمة التي لا تملك إلّا أن تكون إرادةً إلهيةً محضة.
بينما أسيرُ وسط هجير الصيف، تداعبُ وجهي نسمةٌ خفيفة، فلا أرى فيها إلّا فيضاً من نعمة الخالق؛ كأنها لمسةٌ رقيقةٌ من الغيب، تُذكّرني بأن خلف هذا الحرّ المادي، حناناً إلهياً لا يغيب. إن تجربة الحياة في ظلال المحن تؤكد لنا أن النجاة لا تكمنُ دائماً في القوة المادية الصمّاء، بل في تلك النفحة العفوية التي تلامس أرواحنا قبل وجوهنا، لتبثَّ فينا رجاءً متجدّداً. وسواء تأمّلنا الهواء بعين العلم الفيزيائي، أو بعين الإيمان التي تبصرُ يدَ الخالق في كل ذرةٍ من ذرات هذا الكون، نصلُ إلى حقيقةٍ واحدة: نحن ضيوفٌ عابرون. إن احتياجنا الدائم لهذه الريح (في دعةِ سلمنا وفي لهيبِ حربنا) ليس إلّا اعترافاً صامتاً بتواضعنا الوجودي.
نحن نأتي إلى الدنيا بنسمة، ونغادرها بانحباسها، وبينهما نقتات على الأمل في أن تظل الرحمة الإلهية تُحرّك هذا الأثير، لتعبر بنا نحو شواطئ السكينة. في نهاية المطاف، تبقى أجمل أسرار هذا الوجود هي تلك التي لا تطالها يدٌ، ولا تُحيط بها ميزانية؛ إنها النسمة العليلة التي تمسح على وجعنا، والرحمة الخفية التي تُدبّر أمر العالم، وكلها شواهدُ ناطقةٌ بأننا، في حِلّنا وترحالنا، محاطون أبداً برعاية الغيب.
* عضو المجلس العالمي للأخلاقيات الطبية الإسلامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان






