شهدت بيروت في ثلاثينيات القرن الماضي، تحت وطأة الانتداب الفرنسي، تحولات سياسية واجتماعية عميقة. وفي هذا المنعطف التاريخي عام 1934م، تولى عمر بك الداعوق رئاسة جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية كرئيسها التاسع، ليدشن مرحلة تنظيمية غير مسبوقة.
وبفضل رؤيته الدبلوماسية وحنكته الإدارية، أدرك الداعوق أن مواجهة سياسات «الفرنسة» والتغريب لا تكون بالشعارات، بل بتحويل الجمعية إلى مؤسسة حديثة وشاملة. فاستثمر ثرائه ونفوذه لتحقيق «السيادة التعليمية والصحية»، مما جعل الجمعية في عهده بمثابة كيانٍ أهلي قوي فرض احترامه على سلطات الانتداب، وحافظ بالوقت نفسه على هويته الإسلامية والعربية دون أي تنازلات.
• لجان المدارس وثلاثية الكفاءة، والقانون، والوجاهة
كانت أولى خطوات عمر الداعوق لتثبيت دعائم الدستور الجديد والعمل المؤسسي هي إلغاء الإدارة الفردية وتوزيع المسؤوليات على لجان متخصصة يديرها أهل الكفاءة والخبرة من رجالات العاصمة؛ فكانت «لجنة المدارس في جمعية المقاصد» في عهده مصنعاً للسياسات التربوية الحديثة، وتعاقب على رئاستها قامات فذة من طليعة رجالات الدولة:
- الشيخ توفيق الهبري: الرائد التربوي والروحي، الذي رفد اللجنة بخبرته العميقة، وسهر على تقعيد القواعد المسلكية والأخلاقية وضبط المناهج الدينية واللغوية، بما يضمن حصانة وجدان الناشئة.
- سامي بك الصلح: القامة القانونية ورئيس الوزراء اللاحق، الذي أضفى على لجنة المدارس صبغة إدارية وعصرنة صارمة، مستخدماً هيبته السياسية في ترسيخ مكانة الشهادات المقاصدية في مواجهة التغلغل التربوي الأجنبي.
• ثورة العمران التربوي: توطين البكالوريا وتمدّد الحصون في الأحياء
شهدت جغرافيا بيروت في عهد عمر الداعوق طفرة عمرانية وتعليمية لم تعرفها المدينة من قبل؛ إذ تداعى السدنة لتأسيس وبناء صروح نموذجية حديثة تضاهي أرقى إرساليات العاصمة وتغطي كافة الأحياء السكنية:
1. مدرسة خديجة الكبرى في عائشة بكار (1354هـ/ 1935م): شكّلت قفزة نوعية في مسار تعليم الإناث، لتتحوّل هذه الكلية إلى منارة أكاديمية تخرّج طليعة الرائدات والمثقفات البيروتيات.
2. مدرسة علي بن أبي طالب في الأشرفية (1354هـ/ 1935م): تأسست لتكون جسراً معرفياً وحصناً ثقافياً وعربياً للمقاصد في الشطر الشرقي من العاصمة، مؤكدة على شمولية الرسالة وجامعيتها.
3. بيت الأطفال في الحرج (1355هـ/ 1936م): ومثّل تجربة تربوية متقدمة ورائدة في مجال رعاية الطفولة المبكرة والتعليم الأساسي القائم على الأساليب الحديثة.
4. معهد البكالوريا المسائي في رأس النبع (1943م): خطوة إستراتيجية عبقرية أتاحت للشباب العاملين والموظفين فرصة استكمال دراستهم الثانوية ونيل شهادة البكالوريا الرسمية ليلاً، مما ساهم في رفع المستوى الفكري للطبقة العاملة.
5. مدرسة صلاح الدين الأيوبي في رأس بيروت (1945م): جاءت لتلبّي التوسّع السكاني والعلمي في غرب العاصمة وتكرّس الفكر المقاصدي المستنير في أحياء رأس بيروت الحيوية.
6. تطوير مدرسة حفظ القرآن الكريم: لم ينسَ الداعوق الأصل الأصيل الذي عُقدت عليه نيّة التأسيس الأول؛ فعمد إلى تحديث وتطوير مدرسة الحفظ، ودمج العلوم الشرعية بالعلوم العصرية ليتخرّج الحفظة وهم مسلّحون بمعارف زمانهم.
• الملحمة الكبرى: العصر الذهبي لتعليم فقراء المسلمين في القرى
رغم أن المقاصد نبتت في قلب بيروت، إلّا أن نظرة عمر الداعوق القومية كانت تستشرف المخاطر التي تحدّق بالأرياف؛ حيث كان الجهل والفقر والتهميش التنموي يهدد أبناء القرى والبلدات النائية، ويجعلهم صيداً سهلاً لمشاريع التغريب الثقافي الكولونيالي.
ومن هنا، شهد عهد الداعوق ولادة وصياغة «العصر الذهبي للجنة تعليم فقراء المسلمين في القرى». وبفضل الميزانيات الضخمة التي رصدها عمر بك ودعمها من ماله الخاص، امتدت يد المقاصد المباركة من الثغر البيروتي لتصل إلى أقاصي عكار، والبقاع، وقرى جبل عامل والجنوب والبقاع الغربي. فبُنيت مئات المدارس الحجرية والترابية في البلدات البعيدة، وأُرسل المعلمون المقاصديون بكامل رواتبهم ونفقاتهم لتعليم أبناء المزارعين والفقراء مجاناً. وتحوّل هذا المشروع إلى ملحمة وطنية حقيقية قطعت دابر الأمية، وثبّتت المزارعين في أرضهم، وربطت الريف اللبناني بعاصمته برباط العلم والعروبة المقدّس.
• السيادة المعنوية
آمن عمر الداعوق بأن بناء الإنسان المقاصدي لا ينتهي عند حدود قاعات الدراسة، بل يتكامل بالنشاط الروحي، والبدني، وثقافته العروبية، فكان عهده زمناً للاحتفالات الجامعة والسيادة المعنوية:
1. احتفالات ختم القرآن الكريم.
2. مجلة المقاصد (29 رمضان 1354هـ / كانون الأول 1935م).
3. العلاقات المباشرة مع مصر الكنانة: مدّ الداعوق خطوط اتصال متينة ومباشرة مع القاهرة كعاصمة للفكر والأزهر؛ فاستقدم البعثات التعليمية والمربين المصريين لتدريس المناهج المتقدمة، وأمّن المنح الدراسية لخريجي المقاصد في جامعة فؤاد الأول والأزهر الشريف، مما عزز الموقف العروبي المشترك في وجه التدخّلات الأجنبية.
4. النهضة الاستشفائية:
توسّعت رسالة المقاصد في هذه الحقبة لتتحول إلى مظلة رعاية صحية، واجتماعية، واقتصادية شاملة، من خلال افتتاح المستشفى الإسلامي «المقاصد» (1357هـ/ 1938م)، «خصصنا جزءاً سابقاً عنها».
5. جمعية سيدات المقاصد (1360هـ/ 1941م): التي أُسست لمأسسة العمل النسائي الخيري، لتثبت المرأة المقاصدية دورها كشريك أساسي في التنمية الأهلية.
6. تأسيس دار العجزة الإسلامية (1946م): في لفتة إنسانية بليغة، قدمت الجمعية من أملاكها الوقفية قطعة أرض واسعة لتشييد هذا الدار، صوناً لكرامة الإنسان في أواخر عمره.
7. مشروع بناء وتأسيس مبنى ريفولي في ساحة البرج (1369هـ/ 1949م): إنجاز استثماري وعقاري عبقري شهدته أواخر سنوات عهده، حيث استملكت الجمعية العقارات وبدأت الدراسات والتنفيذ لتشييد هذا المبنى التجاري والثقافي الضخم في قلب العاصمة بساحة البرج، ليكون مصدراً وريعاً وقفياً ثابتاً يغذي ميزانية التعليم المجاني لسنوات طويلة ويحميه من الابتزاز المالي.
• المقاصد والإسلام والعروبة.. الإرث الذي لا يزول
جسّد عهد عمر بك الداعوق في جمعية المقاصد أبعاد الهوية الإسلامية والعروبية عبر إنجازات مؤسسية وميدانية ملموسة، شملت التوسع في المدارس والمستشفيات من بيروت إلى مختلف المناطق اللبنانية، بعيداً عن الشعارات الفضفاضة.
ومع نهاية الأربعينيات، سلّم الداعوق الأمانة وهي في أوج قوتها وتماسكها الهيكلي، تاركاً وراءه مؤسسة كبرى متكاملة الأركان، صانت الهوية الوطنية والتعليمية بالنزاهة والتدبير الحكيم، ليخلّد التاريخ اسمه كرمز للعمل الأهلي المستنير.
- يتبع في الجزء الثامن: عهد محمد سلام ومصباح الطيارة.. مأسسة التحديث