صحافة أجنبية

20 حزيران 2026 12:00ص من إعلام العدو.. إسرائيل تدير معركة منظَّمة ضد التطهير العرقي وجرائم ضد الإنسانية

حجم الخط
إيهود أولمرت(*)

يجب أن تنتقل مكافحة الإرهاب اليهودي على أراضي الضفة الغربية إلى مرحلةٍ جديدة، وأن تُدار بحزم أكبر؛ لم يعُد في الإمكان التسليم بالإرهاب اليومي الذي تديره وتوجّهه وتشجّعه وتوفّر له الغطاء حكومة إسرائيل. فما يجري في هذه الأيام في أنحاء الضفة الغربية ليس من صُنع «سبعين جانحاً في سن المراهقة»، حسبما حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أن يدّعي بسذاجة متصنعة، وهي ليست جرائم أقلية صغيرة شاذة من بين سكان المستوطنات في الأراضي المحتلة، مثلما يحرص بعض شركائهم من قادة جمهور المستوطنين على القول.
اليوم، يمكننا القول، مضطرين، إن إسرائيل تدير حملة منظمة، مرتبة ومموّلة، من التطهير العرقي والجريمة ضد الإنسانية، ليس فقط في قطاع غزة، ولا في الجنوب اللبناني، ولا في سورية، بل في أراضي الضفة الغربية الخاضعة للسيطرة الأمنية الكاملة للدولة، ولمؤسساتها الأمنية وأجهزة إنفاذ القانون التابعة لها.
يقف على رأس هذه الحملة رئيس الحكومة، وإلى جانبه وزير الدفاع يسرائيل كاتس، وطبعاً، سائر وزراء الحكومة. إن الدفع نحو هذه الأعمال الإرهابية هو نتيجة تصريحات وأفعال وزراء معروفين يريدون الضم الكامل لجميع المناطق [المحتلة]، من دون أن يبقى سكانها الفلسطينيون فيها. وأقصد بصراحة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وجميع الوزراء الآخرين الذين يدعمون، عبر تصريحاتهم وأفعالهم وقرارات الحكومة، خلق واقع حياتي يؤدي إلى تهجير السكان الفلسطينيين عملياً.
هذا الكلام قاسٍ، إذ لم يسبق أن أُطلِق مثل هذه الاتهامات الخطِرة بحق حكومة إسرائيلية، وبحق المؤسسة الأمنية بكل أذرعها، وبالتأكيد ليس على لسان من تحمّل في الماضي المسؤولية العليا عن أمن إسرائيل، لكن بعد فترة طويلة ومؤلمة من ضبط النفس، والتريث، وكبح المشاعر، لم يعُد هناك مفرّ من قول هذه الأمور بكل حدّتها.
لا شيء يمكن أن يبرر إغماض العينين أمام ما يحدث يومياً في القرى الفلسطينية في الضفة: مذابح جماعية، واعتداءات على الأطفال والكبار، داخل بيوتهم وخارجها، وإحراق الحقول والأملاك، وسرقات على نطاق واسع، ولا سيما قطعان الأبقار والأغنام التي تشكل مصدر رزق كثيرين من السكان. ولا يمكن الوقوف أمام هذا كله في حالة من القبول الهادئ، أو التسامح، أو عدم الرغبة في مواجهة مُرتكبي هذه الجرائم وداعميهم وقادتهم.
خلال العامين الماضيَين، وُجهت إلى إسرائيل، في معظم المنابر الدولية، ولا سيما من دول صديقة لإسرائيل لطالما وقفت إلى جانبها في أوقات الأزمات، تهمة ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. لقد قلت في كل فرصة ممكنة إن إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية في القطاع، ولم تكن تنوي ارتكابها.
صحيح أن الحرب أُديرت أيضاً من الجانب الإسرائيلي - في أعقاب «المجزرة الرهيبة» التي ارتكبتها «حماس» في السابع من تشرين الأول/أكتوبر  2023 - بقدر كبير من القسوة، وأحياناً مع ارتكاب أفعال لا مفرّ من الاعتراف بأنها ترقى إلى مستوى جرائم الحرب. ونحن جميعاً نعلم أن هذا ربما حدث، حتى وإن تجنبنا الاعتراف به، لكن الحكومة لم تنتهج سياسة إبادة جماعية، ولم تقدم دعماً مقصوداً ومنظماً لأعمالٍ تستوفي التعريف القانوني للإبادة الجماعية.
وفي أكثر من مناسبة، ومنها في صحيفة «هآرتس»، اعترفت بأن جرائم حرب ارتُكبت فعلاً، وكانت وسائل الإعلام العالمية متلهفة لسماعي أقرّ بذلك، أو أتّهم الحكومة بأنها مسؤولة عن تلك الجرائم، وأنها وقعت بعلم وموافقة قادتها، لكنني رفضت هذا التفسير، ولا أشعر بالندم على ذلك. وأنا أعلم أن كثيرين ممّن شاركوا في الحرب على قطاع غزة، وفي بعض مظاهرها القاسية والوحشية، يعانون جرّاء شعور عميق بالذنب تجاه أفعال لهم، أو لوحداتهم، كانوا مسؤولين عنها. وهناك عدد غير قليل من الطيارين الذين يشعرون بثقل ما فعلوه، وبقتل الأبرياء الذي تسببوا به، وسمعت منهم شخصياً مثل هذا الكلام.
لكن أفراد سلاح الجو، شأنهم شأن أفراد المدفعية وسلاح المدرعات والقوات البرية، لم يكونوا هم الذين أصدروا الأوامر، أو حددوا الأهداف، أو دمروها، مع التسبب بقتل جماعي لمدنيين غير متورطين. لقد تلقّوا أوامر. وكانت تلك الأوامر غير متزنة أحياناً، وغير مسؤولة، وفي حالات كثيرة، صدرت من دون فحص كافٍ لاحتمال سقوط عدد كبير من المدنيين الأبرياء ضحايا لتلك الهجمات. ومع ذلك، لم يكن هناك قرار واعٍ، أو سياسة متعمدة، لا من الحكومة، ولا من أيٍّ من أعضائها، تمنح الضوء الأخضر لعملٍ تكون نتائجه قتلاً جماعياً.
لذلك، حتى لو وقعت خلال القتال في القطاع جرائم لا يمكن تجاهُلها، أو إنكارها، فإن الحكومة لم تكن فرضت سياسةً تقود إليها. وبالتالي لم يكن هناك، في رأيي، مبرّر لإصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الحكومة، أو وزير الدفاع، أو أيٍّ من كبار قادة الجيش. هكذا كنت أعتقد حينها، وما زلت أعتقد ذلك اليوم.
لكن هذه الأمور لا تنطبق على ما يجري في الضفة الغربية خلال الأعوام الأخيرة، وبصورة أشد في الأشهر الأخيرة؛ هنا، لا أتردد في اتهام الحكومة بالمسؤولية المباشرة والفورية عن جرائم حرب، وعن تطهير عرقي يُرتكب بحق مئات آلاف الفلسطينيين الذين لا علاقة لهم بـ»الإرهاب»، لا بشكل مباشر، ولا بصورة غير مباشرة. ولم يكن آلاف المستوطنين الضالعين في هذه الجرائم قادرين على ارتكابها لو أنهم حصلوا على المساعدة، والدعم، والحماية، والغطاء، والتمويل من جهات سلطوية على المستوى المحلي، وكذلك من جهات على المستوى الحكومي. ولم يكن في الإمكان تنفيذ هذه الجرائم، التي تشمل أيضاً اعتداءات جنسية خطِرة (حتى وإن لم تكن تماماً مثلما وردَ في المقال المنشور في «نيويورك تايمز»)، لولا أن مرتكبيها عملوا تحت مظلة من الدعم الذي قُدم لهم في كل مرحلة من مراحل نشاطهم.
فهل يتصور أحد أنه يمكن طمس كل أعمال الشغب والاعتداءات التي يرتكبها الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، ثم يتوقع من الناس في أنحاء عديدة من العالم، وهم يرون الدمار والكراهية والاضطهاد والحرائق والعنف الذي يمارسه إسرائيليون، أن يغضوا الطرف، على غرار ما يفعل كثيرون منا هنا؟
لقد حان الوقت للتوقف عن النفاق، والازدواجية، والتظاهر، والبدء بمحاربة الأعداء من الداخل.
(*) وزير حكومة حرب ٢٠٠٦
المصدر:هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية