بيروت - لبنان

اخر الأخبار

19 أيار 2026 12:00ص أغلى حروب لبنان

حجم الخط
مرَّت على لبنان حروب كثيرة في تاريخه القديم، وفي تاريخه الحديث على حد سواء، دفع ثمنها غاليا بالمال وبالأرواح، وتعرّض شعبه اللهجرة وللتهجير، ولاستقبال وإستضافة النازحين والمهجرين. وكذلك استقبل اللاجئين إليه من شتى أنحاء المعمورة، حتى بات يعرف بجبل اللجوء، فلا يردّ لاجئا هاربا من أية حرب، ولا من أية جهة أتى، لأن لبنان إنما يعرف نفسه بنفسه: أنه بلد الإخاء والسلام.
 العطف على النازحين والمهجرين واللاجئين إذا، من الصفات القديمة عند اللبنانيين، لأن جميعهم، تذوق التهجير القسري في الحروب التي كانت تدور في مختلف أرجاء الأرض. وهم يرون أنفسهم بأنفسهم، أنهم حزمة بل ضمامة لاجئين ضعفاء، إلى أرز الرب. يطمئنون في كنفه، إلى جبل لا تزلزله العواصف، ولا تضعفه السنون ولا المنون، وينشدون الأمان والسلام، ولا زالوا يحتفظون بهوياتهم القديمة، وبعاداتهم وبتقاليدهم مجموعات مجموعات، مما كان يميّزها عن سائر المجموعات التي نزلت في الجوار، وهذا ما أكسبهم عطفا ورقّة وحنوا، على سائر المجموعات التي كانت تتعرض للتهجير، كانوا يعتبرون أنهم معا، من رحم واحدة، رحم النزوح والتهجير القسري، والعذاب.
كانت الحروب تستجرّ إليهم، فتحملهم على النزوح كغثاء السيل من بلاد إلى بلاد، ومن منطقة إلى منطقة، طلبا للأمان ولراحة البال والابتعاد عن النيران، التي إذا ما اشتعلت، أكلت الأخضر واليابس. فكانوا يتخلّون عن البلدات والقرى وأحياء المدن، طلبا للنجاة بأنفسهم، يخسرون أرزاقهم كلها، يضحّون بها، لأجل الاطمئنان على غد بلا حروب.
لبنان أرض الزلازل الديموغرافية، منذ الفتح العربي حتى الآن. فما مرَّ قرن عليه، إلّا ودفع شعبه ثمنا عظيما للحرب، فتراه ينتقل من النار من زاوية إلى زاوية، ضمانا لعيشه مع عوائله، بأمان وسلام.
يعيش لبنان اليوم أغلى الحروب على الإطلاق، فهو ما كاد يلملم جراحه بعد عام التحرير في 25 أيار العام2000، حتى اندفعت إليه النيران من جديد في الثاني عشر من تموز العام 2006، واستمرت لأكثر من 33 يوما، تحرق البلدات والقرى، وتهدم الجسور والعبارات والأبنية الحكومية والمنشآت كافة: الطاقة والمياه والمرافق الحيوية، إمعانا في تكبيد الشعب أعظم خسارة. فما ظلت له يد، ولا قامت له قائمة، حتى فاجأته الحرب الأخيرة في الثامن من أكتوبر 2023، فسجل فيه أعلى رقم من الخسارة على الإطلاق: خسر القائد الرمز وخليفتيه، وقيادات الصف الأول، بعد أن كان تعرّض لضربة واحدة بالبيجر التي ذهب ضحيتها أكثر من عشرة آلاف، بين قتيل وجريح، ثمنا للإسناد الأول.
بعد ذلك التاريخ، وضع لبنان على صفيح ساخن، وصار يشوى على مهل، خصوصا بعد الإسناد الثاني، فالاحصاءات تشير إلى أكثر من عشرين ألفا من القتلى والجرحى والأسرى، قدّمهم لبنان على مذبح الوطن. وأما خسائره المالية والمادية، فهي تفوق مئات الآلاف من المليارات: أموال نهبت بسبب الحرب، وأموال هدرت بالسبب نفسه، حتى بات لبنان يغرق في الديون، من أذنه حتى أخمص قدميه..
تكاليف الإعمار بعد حرب السنتين، كما تكاليف الإعمار بعد حرب تموز 2006، كما خسارة الأرواح، لا يمكن أن تقاس بتكاليف الحرب التي نعيشها اليوم، ولا بالخسائر العظيمة التي يخسرها، بعد عمليات الهدم والتجريف للبلدات والقرى، بحيث فَقدَ بعد الإسناد الثاني، أكثر من ثلث أراضيه، في الجنوب والبقاع، والحبل على الجرار، لإن الإشتراط بتصفية سلاح المقاومة، يعادل إحتلال لبنان، كل لبنان، من خلال القوى الحالية، والقوى التي تستجرّ إليه.
وأما الشرط الذي وضع على لبنان، للعودة إلى السلام، وإلى «هدنة بلس»، لا يمكن أن ينفذ إلّا والسكين على الرقبة. فلم يعد إخراج السلاح من الجنوب كافيا، ولا تنظيف بيروت أيضا من السلاح، بل صار المطلوب، أن يكون لبنان كله خاليا من السلاح، وهذا لعمري من الشروط التي لا يقبل بها لبناني، إلّا والمسدس في رأسه. كما العادة.
فهل نحن مقبلون على حرب الرؤوس، وعلى حرب إسقاط الرؤوس، سواء من الداخل أو من الخارج.
فلننتظر إلام تؤول الأمور، ولكن الإنتظار طويل وطويل، وهو سيطول أيضا لأكثر من مئة عام جديدة، يمتحن فيه السلاح الجديد، والسياسات الجديدة، والأوطان الجديدة، وحتى ذلك الوقت، فسنظل نعيش أغلى الحروب على الإطلاق، وبعد ذلك يخلق الله ما لا تعلمون، فالقوى العظمى التي هندست هذه الحرب، هي نفسها التي ستشرف على هندسة البلاد. وأما نحن، فما عرفنا حفظ رؤوسنا، عند تبدّل السياسات، وتبدّل الدول.

* أستاذ في الجامعة اللبنانية