حرب طويلة الأجل، هي الحرب الإيرانية، فلا أحد من أطرافها الثلاث: الأميركي والإسرائيلي والإيراني، مستعجل في إنهائها، كما يبدو. والدليل على ذلك: تلك النقاشات التي تدور على البارد، حتى ليبدو لنا، إن الحرب آخر همّهم، لا أوله، لأن حرها والأمان والكلفة، في تصاعد، والتريث هو خير الحلول، بإنتظار التوقيت الأفضل.
للمرة الثانية، تخرج الأطراف الثلاثة من حرب تجريبية، لا حرب في صيغتها النهائية، تشعر الأطراف الثلاثة، أنها غير قادرة على الحسم، فتسارع إلى خطة بديلة، تدع الولايات المتحدة مضيق هرمز، يسقط نفسه بنفسه، من شدّة الإلتفاف عليه، ومن شدّة خنقه. وهي تدع أيضا الملف النووي يصير عبئا على أصحابه، يوما بعد يوم، وقد رحل عنه الروس والصينيون، والكوريون، ومن يرى رأيهم. أما بالنسبة للأذرع، فقد ضعف فيها الساعد وفت في العضد، بسبب عدم القدرة على التغذية الطويلة الأجل، بعد التدابير التي إتخذت، في الحوالات وفي الصناديق، وفي البريد، وفي طرق النقل.
من الجهة الإسرائيلية، تتابع عمليات القضم والإقتطاع والهدم والإفراغ، بصورة إعتيادية، لا شيء يقف في وجهها. صارت كل هذه العمليات الجسيمة، مسكوتا عنها دوليا، لم تعد تحتسب، من الجرائم المنظمة، وهي تطبخ على نار هادئة. تمضي إسرائيل بتنفيذ أجندتها في الجنوب اللبناني، بلا ضجيج، وكأن جميع الأعين التي كانت تحمر في السابق، قد أصبحت ناعمة البال، راضية.
أما في إيران نفسها، فهي تعيد حساباتها، وتعيد النظر في تقييم تحالفاتها، وتذهب كل يوم لترميم قدراتها، فقد كانت الأثمان التي دفعتها باهظة، وهي بحاجة لتمديد الهدنة، حتى تعيد بناء قدراتها، وحتى تستمزج آراء حلفائها، وحتى تمتحن الصفوف الداخلية، وتفرز الصالح عن العفن، بعد قتل الصف الأول والثاني من قادتها.
وخلال هذا الوقت المستقطع من الحرب الأخطبوطية في مثلث أميركا وإسرائيل وإيران، هناك جهود جبارة تبذل لإعادة بناء المقاومة تحت النار لا فوقها، وهي تقف وسط هذا الدمار العام والشامل، لا لتعلن العزوف والتراجع عن مشروعها، كما نودي عليها في لبنان، في الخطاب الرئاسي، وفي البيان الحكومي وفي رسالة قصر بعبدا. وكذلك، بعد الهجوم الإسرائيلي على أرض الجنوب، لإخلائه قطعة قطعة، نراها تحيد نفسها عن كل ذلك، لتعلن من جديد، عن إستعادة جهوزيتها، وإستئنافها المعركة، مهما بولغ في الثمن.
المقاومة إذن، لا إلى الأفول، بعد كل هذه المطالبات وهذه الخطابات، وهذه المطبات، بل هي للقفول، وإعادة البناء من جديد. وهي أيضا، قد تبلّغت، من جميع الجهات، كلمة السر، وسر المعركة: ستقاتل حتى آخر إستشهادي لديها، وليتدبر الآخرون أمرهم، في إيواء أهل الجنوب جميعهم، وليكن ما يكون، ولو الخروج مختلف هذه المرة: فهو مرتب في تداعياته لدى مثلث الحرب القذرة، لآخر مرة..
* أستاذ في الجامعة اللبنانية