بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 تشرين الثاني 2025 12:00ص استقلال لبنان حاجة وطنية وقومية لمواجهة الاستهدافات الخارجية

حجم الخط
بعد مئة وخمس سنوات على نشأة الدولة اللبنانية الحديثة، واثنتين وثمانين سنة على إعلانها دولة مستقلة ذات سيادة، وصلت اليوم إلى النقطة الأدنى في الانحدار العمودي نحو التلاشي والعدمية نظرا للتصدّعات الخطيرة التي باتت تحكم هياكلها البنائية في اجتماعها السياسي، وفي نظمها الاقتصادية والمؤسسية والمصرفية والمالية.
يتوقف المراقب الموضوعي في رصده للمسار التاريخي الذي عرفته الدولة منذ لحظة استقلالها وحتى باتت اليوم قاب قوسين أو أدنى من الهبوط في المجهول، يتوقف عند جملة من الحقائق الموضوعية، كان من أبرزها أربع هي الأكثر أهمية كدّالات توصيفية للمسارات التطورية التي واكبت الدولة الاستقلالية منذ العام ١٩٤٣ وصولا إلى راهنها الحاضر.
الحقيقة الأولى، أنّ استقلال لبنان عام ١٩٤٣ كان تعبيرا لبنانيا جامعا عن حاجة وطنية لكل تشكّلات المجتمع اللبناني بطوائفه المتعددة، وبشرائحه الطبقية وبسائر قواه ونخبه في المجتمع المدني من أحزاب سياسية ونقابات عمالية ومهنية وهيئات وروابط أهلية على اختلافها. وقد بدا هذا الإجماع الوطني بتجليّاته الواضحة إبان معركة الاستقلال بين ٨ و٢٢ ت٢ ١٩٤٣. أما القول أنّ الصيغة الميثاقية غير المكتوبة، التي توصّل إليها الزعيمان البارزان آنذاك بشارة الخوري ورياض الصلح، فهي ليست سوى انعكاس لحالة وطنية كانت قد باتت شعورا مسيطرا على سائر مناطق وطوائف وطبقات المجتمع اللبناني. فبعد ما يقرب من الربع قرن على قيام الدولة في العام ١٩٢٠، انخرط اللبنانيون في شبكات من المصالح الحياتية والاقتصادية والاجتماعية المشتركة لدرجة باتوا معها يشعرون بحقيقة الهوية الوطنية وأنّ الدولة هي حاجة وطنية للجميع.
الحقيقة الثانية، أنّ الطائفية السياسية كانت القطبة الخفية التي لم تسعَ النخب الحاكمة إلى معالجتها ومحاصرة مفاعيلها. ورد ذلك في البيان الوزاري في حكومة الاستقلال الأولى التي ترأسها رياض الصلح حين قرأ بيانها الوزاري في ٧ ت١ معلنا أن لبنان يتطلع إلى اليوم الذي تنتهي معه الطائفية في السياسة ووظائف الدولة، وفي كل ما من شأنه أن يعيق الاندماج الوطني لشعب لبناني واحد.
لم تلجأ النخب الحاكمة إلى سحب مفاعيل الطائفية، لا سيما في السياسة والوظائف الإدارية وسواها، لا بل على العكس كان العامل الطائفي هو المعيار الأكثر بروزا في كل مظاهر الحياة السياسية والإدارية وحتى الاجتماعية أيضا.
برز العامل الطائفي كعامل انقسام عمودي في المجتمع اللبناني، وهذا ما تجلْى بوضوح إبان الخمسينيات مع بروز الطائفية السياسية في الوسطين الإسلامي والمسيحي، ففي حين تفاعلت القوى الإسلامية مع تصاعد المدّ القومي بفاعليه البعثي والناصري، وراحت معه تضفي طابعا أيديولوجيا على القومية العربية يربط عضويا بين العروبة والإسلام، راحت، بالمقابل القوى المسيحية تعمل على أدلجة القومية اللبنانية من خلفية عقيدية مسيحية تربط بين الوجود المسيحي وخصوصية الاستقلال اللبناني. تعاظمت الفجوة الانقسامية مع دخول الفصائل الفلسطينية المسلحة إلى لبنان، حيث وجدت القوى المسيحية في هذا التطور ما يشكّل خللا في التوازنات الداخلية السكانية والعسكرية والسياسية، الأمر الذي كان أحد أبرز الأسباب التي دفعت إلى إنفجار الحرب الأهلية وتواصلها لأكثر من خمس عشرة سنة بين ١٩٧٥ - ١٩٩٠.
توقفت الحرب ميدانيا بفعل تدخّلات عربية وأميركية، وخرجت بتسوية ميثاقية جديدة على أساس وثيقة الطائف التي لم تكن في الواقع إلّا تعويما لبنية سياسية قديمة وممتدّة للدولة والمجتمع جاءت أكثر تطييفا للواقع اللبناني من ذي قبل. فقد جاءت التسوية لترسي معادلة في الحياة السياسية والعامة على أساس التوزيعات والمحاصصة بين الطوائف، الأمر الذي جعل الاستقلال والسيادة أمام التحدّي الأصعب، حيث لا استقلال ولا سيادة في ظل تحكم الطائفية السياسية في مصير الدولة وسيادتها واستقلالها.
الحقيقة الثالثة، وهي أنّ النظام العربي الرسمي يتحمّل المسؤولية الكبرى في إهماله لمعالجة الوضع اللبناني، وفي عدم تفهّمه لخصوصية التركيبة اللبنانية، لا سيما لجهة المساعدة على توفير كل ما من شأنه أن يعزّز الوحدة الوطنية والهوية الوطنية العابرة للخصوصيات الطائفية والمذهبية.
الحقيقة الرابعة، تمثلت باستغلال الخارج الدولي والإقليمي والصهيونية الساحة اللبنانية بوصفها الساحة الرخوة والسهلة الإختراق نظرا لوجود ركائز داخلية تستجيب للتفاعل الولائي مع الخارج الذي يقوم بدوره في استثمار حضوره في الداخل اللبناني وتوظيفه في مشروعاته الاستراتيجية سواء على المستوى الإقليمي الشرق أوسطي من جهة، أم على المستوى العالمي لناحية قيام نظام جديد في العلاقات الدولية من جهة أخرى. هكذا، بقي استقلال لبنان منذ ١٩٤٣ وحتى اليوم أسير التجاذبات بين العوامل الأربعة المشار إليها من طائفية سياسية، لا بل مذهبية سياسية في الداخل، إلى قصور النظام العربي الرسمي عن دوره في معالجة الحالة اللبنانية باعتماد استراتيجية تعزّز البناء الوطني لدولة لبنانية وطنية متجاوزة للطوائفية والمذاهبية السياسية، وصولا إلى التدخّلات الإقليمية والدولية التي باتت اليوم تتحكم بمصير الدولة وتهدّد ليس استقلالها كدولة ذات سيادة، وإنّما تهدّدها في رميها في المجهول.

* باحث في التاريخ السياسي والعلاقات الدولية