بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 تموز 2026 12:10ص الجذور التاريخية لأزمة السيادة في لبنان (1861–1943): من المتصرفية إلى الميثاق الوطني

حجم الخط
د . طلال الساحلي*

في خضم الصراع السياسي الدائر على الساحة اللبنانية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد، يستأثر مصطلح السيادة، بالكثير من الاهتمام، ويتم التركيز عليه كأحد الشعارات المطروحة على الساحة السياسية، ما حدا إلى محاولة القاء الضوء على مفهوم السيادة وكيف تجلى في لبنان منذ عهد المتصرفية حتى ميثاق 1943.

مقدمة

ليست أزمة السيادة في لبنان نتاجاً مباشراً للأزمات التي عصفت به منذ الاستقلال، ولا نتيجةً للحروب الأهلية أو التدخلات الخارجية التي تكاثفت منذ سبعينيات القرن العشرين، بل هي أزمة ذات جذور تاريخية عميقة تعود إلى الكيفية التي نشأ بها الكيان اللبناني الحديث، وإلى طبيعة التسويات التي حكمت تكوينه السياسي منذ القرن التاسع عشر. فمنذ قيام نظام المتصرفية سنة 1861، مروراً بإعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، وصولاً إلى الميثاق الوطني عام 1943، لم تتبلور السيادة اللبنانية بوصفها سلطة وطنية مكتملة تستند إلى إرادة سياسية جامعة، وإنما تشكلت ضمن منظومة من القيود الداخلية والخارجية، جعلت الدولة في حالة توازن دائم بين مراكز قوى متعددة، محلية وإقليمية ودولية.
فالسيادة، وفق المفهوم الكلاسيكي الذي بلوره جان بودن، تعني امتلاك الدولة سلطة عليا لا تنازعها فيها سلطة أخرى داخل حدودها، واستقلال قرارها عن أي إرادة خارجية. ثم تطور المفهوم مع توماس هوبز وماكس فيبر، ليصبح احتكار الدولة المشروع للقوة أحد أبرز معايير السيادة الحديثة. غير أن التجربة اللبنانية سلكت مساراً مختلفاً؛ إذ تداخلت فيها البنى الطائفية مع الرعاية الدولية، فتكوّنت دولة ذات مؤسسات حديثة، لكنها بقيت محدودة القدرة على احتكار القرار السياسي والأمني.
وتتجلّى خصوصية الحالة اللبنانية في أن عوامل الضعف لم تكن طارئة على الدولة، بل رافقت عملية نشأتها ذاتها. فالمتصرفية قامت بضمان القوى الأوروبية، والانتداب أسس مؤسسات الدولة تحت وصاية خارجية، بينما جاء الميثاق الوطني كتسوية بين الجماعات الطائفية أكثر منه عقداً اجتماعياً بين المواطنين. ومن هنا، فإن فهم أزمة السيادة في لبنان يقتضي العودة إلى هذه المراحل المؤسسة، لا بوصفها محطات تاريخية منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات متصلة في مسار واحد، أنتج دولة حديثة في الشكل، لكنها ظلت تعاني من محدودية السيادة في الممارسة.
أن أزمة السيادة في لبنان ليست أزمة وظائف دولة فحسب بل هي أزمة تكوين تاريخي، حيث تفاعلت ثلاثة عناصر بصورة مستمرة: البنية الطائفية الداخلية، والتدخلات الخارجية، وضعف الهوية السياسية الجامعة. وقد أسهم هذا التفاعل في إنتاج نموذج للدولة يقوم على التوافق أكثر مما يقوم على الاحتكار السيادي للسلطة، وعلى التوازن بين القوى أكثر مما يقوم على وحدة القرار الوطني.

 السيادة بوصفها مساراً تاريخياً لا لحظة تأسيسية

تتبدّى أزمة السيادة في لبنان، عند مقاربتها تاريخياً، لا كخلل لاحق على قيام الدولة، بل كعنصر ملازم لتكوّنها منذ اللحظة الأولى. فالدولة اللبنانية لم تنشأ بوصفها تجسيداً لسيادة مكتملة تستند إلى احتكار القرار داخل حدود واضحة، بل تشكلت تدريجياً ضمن تداخل معقد بين إرادات محلية متنازعة، وتوازنات إقليمية ودولية متحركة، وصيغ حكم متعاقبة جعلت من الاستثناء قاعدة ومن التوافق آلية دائمة لإدارة الحكم.
ومنذ المتصرفية سنة 1861، مروراً بالانتداب الفرنسي، وصولاً إلى الميثاق الوطني عام 1943، يتكشف أن السيادة في لبنان لم تُمنح دفعة واحدة، بل تدرجت عبر أشكال متعددة من السيادة المقيدة، حيث لا تكتمل سلطة الدولة إلّا بقدر ما تسمح به القوى الخارجية من جهة، والتوازنات الداخلية من جهة أخرى. وهذا ما جعل مفهوم الدولة في لبنان أقرب إلى كيان تفاوضي مستمر منه إلى سلطة مركزية حاسمة.

المتصرفية (1861–1915): هندسة الاستقرار تحت الوصاية الدولية

تشكّل المتصرفية اللحظة التأسيسية الأولى في تشكل الكيان اللبناني الحديث، ليس فقط لأنها أعقبت أحداث 1860 الدامية، بل لأنها أدخلت جبل لبنان في منطق جديد للحكم يقوم على التدويل الضمني للسلطة المحلية. فقد أفضت تلك الأحداث إلى تدخل مباشر من القوى الأوروبية الكبرى، التي رأت في الأزمة اللبنانية تهديداً لتوازناتها في المشرق العثماني، ففرضت صيغة سياسية جديدة عبر بروتوكول 1861.
في هذا السياق، لم يعد جبل لبنان وحدة إدارية داخل السلطنة العثمانية فحسب، بل أصبح فضاءً سياسياً خاضعاً لنظام ضمانات دولية، يقوم على تعيين متصرف غير لبناني، مسيحي كاثوليكي، بموافقة السلطان والدول الأوروبية. هذا الترتيب لم يكن تفصيلاً إدارياً، بل كان تعبيراً عن انتقال السيادة من مركز إمبراطوري واحد إلى شبكة من الوصايات المتعددة.
وقد رافق ذلك إنشاء مجلس إداري طائفي، وزع التمثيل على الجماعات الدينية، بما جعل الطائفة وحدة سياسية أولية داخل النظام. ومع مرور الزمن، لم يعد الانتماء السياسي يُبنى على مفهوم المواطنة، بل على موقع الجماعة في التوازن الداخلي، وهو ما أسس مبكراً لبنية سياسية تعددية لكنها غير متماثلة سيادياً.
ورغم أن المتصرفية حققت استقراراً نسبياً، وسمحت بنشوء اقتصاد محلي متنامٍ وحياة ثقافية نشطة، فإن هذا الاستقرار كان مشروطاً باستمرار التوافق الدولي. وهنا تكمن المفارقة: فقد استقرت الإدارة، لكن السيادة لم تستقر، لأن مصدر الضمان لم يكن داخلياً بل خارجياً.

الانتداب الفرنسي (1920–1943): الدولة الحديثة تحت سقف الوصاية القانونية

مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية، دخل لبنان مرحلة إعادة التأسيس الجذري ضمن النظام الدولي الجديد الذي كرّسته عصبة الأمم. وقد أُسند الانتداب على لبنان وسوريا إلى فرنسا، في إطار صيغة قانونية هدفت ظاهرياً إلى إعداد الشعوب للاستقلال، لكنها عملياً أعادت إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة السياسية.
أُعلن قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، في تحول جغرافي وسياسي عميق أضاف إلى جبل لبنان مناطق ساحلية وداخلية متنوعة، ما جعل الكيان الجديد أكثر تركيباً من الناحية السكانية والاقتصادية. وقد شكّل هذا التوسع خطوة حاسمة في الانتقال من كيان جبلي شبه ذاتي إلى دولة متعددة المناطق والهوية، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد مسألة الانتماء الوطني.
وفي ظل الانتداب، بدأت عملية بناء الدولة الحديثة: إدارات مركزية، جهاز قضائي، تنظيم مالي، وتعليم رسمي، وصولاً إلى دستور 1926 الذي أسس الجمهورية اللبنانية. غير أن هذه الحداثة المؤسسية ظلت محكومة بإرادة المفوض السامي الفرنسي الذي احتفظ بصلاحيات واسعة تتجاوز المؤسسات المحلية، ما جعل الدولة تُدار من الداخل ولكن تُحسم من الخارج.
وهنا تتجلّى إحدى أكثر المفارقات البنيوية في التجربة اللبنانية: فقد وُلدت المؤسسات قبل أن تولد السيادة، وتشكّل الجهاز الإداري قبل أن تتشكل السلطة النهائية التي تحكمه. وهذا الفصل بين الشكل والمضمون أنتج ثقافة سياسية مزدوجة، تفصل بين القانون والممارسة، وبين الدستور والقرار الفعلي.
كما تعمّقت الطائفية السياسية خلال هذه المرحلة، ليس فقط عبر التمثيل غير الرسمي، بل عبر ترسيخ منطق توزيع السلطة بين الجماعات، بحيث باتت الطوائف فاعلاً بنيوياً داخل الدولة، لا مجرد مكونات اجتماعية. ومع ذلك، لم يكن الانتداب مجرد مرحلة استعمارية، بل كان أيضاً مختبراً لبناء الدولة، وإن كان ذلك ضمن سقف سيادي غير مكتمل.

الميثاق الوطني (1943): الاستقلال كتسوية تاريخية لا كقطيعة سيادية

مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها، ومع تصاعد التحولات الدولية، وجد لبنان نفسه أمام لحظة إعادة تعريف وجوده السياسي. في هذا السياق، نشأ الميثاق الوطني كاتفاق غير مكتوب بين النخب السياسية اللبنانية، هدفه الأساسي إنهاء الانتداب الفرنسي وتثبيت الاستقلال ضمن صيغة توازن داخلي بين الطوائف الأساسية.
لم يكن الميثاق وثيقة قانونية، بل كان عقداً سياسياً ضمنياً يقوم على مبدأين متكاملين: الاعتراف بلبنان ككيان مستقل ذي وجه عربي، وعدم استخدامه كجسر للوحدة مع الخارج، سواء كان غربياً أو عربياً. بهذا المعنى، لم يُحسم سؤال الهوية، بل جرى تنظيمه ضمن صيغة توازن دائم.
وهكذا، لم يكن الاستقلال اللبناني انتقالاً من الخارج إلى الداخل، بل انتقالاً من وصاية خارجية مباشرة إلى توازن داخلي غير مكتمل الحسم، حيث أصبحت الدولة قائمة على إدارة الاختلاف لا تجاوزه، وعلى التوافق لا الاحتكار.
ففي المتصرفية، كانت السيادة موزعة بين السلطنة العثمانية والقوى الأوروبية والسلطة المحلية. وفي الانتداب، كانت السيادة مؤجلة لصالح وصاية قانونية دولية. وفي الميثاق الوطني، تحولت السيادة إلى توازن داخلي بين الطوائف، مع بقاء الانقسام في تعريف الهوية والوظيفة السياسية للدولة.

إشكالية السيادة: غياب السيادة المكتملة

إن أزمة السيادة في لبنان، كما تتكشف في هذه المرحلة الممتدة من 1861 إلى 1943، ليست أزمة ظرفية أو سياسية فحسب، بل هي نتيجة مسار تاريخي طويل أعاد إنتاج نفسه عبر صيغ مختلفة. فالمتصرفية أرست نموذج الحماية الدولية، والانتداب أسس الدولة الحديثة تحت الوصاية، والميثاق الوطني رسخ الاستقلال ضمن تسوية طائفية.
وفي جميع هذه المراحل، ظل العنصر الغائب هو السيادة المكتملة بوصفها احتكاراً للقرار داخل دولة واحدة. وهذا الغياب لا يعني انعدام الدولة، بل يعني تشكّل دولة من نوع خاص، دولة قائمة على إدارة التعدد لا تجاوزه، وعلى التوازن لا الحسم، وعلى التفاوض الدائم لا القرار النهائي.

* وزير سابق