عومر بن يعكوف
تعمل منظومة الطائرات المسيّرة (من دون طيار) التابعة للجيش الإسرائيلي على مدار الساعة فوق غزة ولبنان خلال الحرب الأخيرة، وتُستخدم باعتبارها «مولّداً للأهداف والاستخبارات»، وذلك بحسب وثائق داخلية وصلت إلى صحيفة «هآرتس». وتكشف عن قدرات غير معروفة لأسطول الطائرات المسيّرة، الذي يضم عشرات الطائرات المخصّصة للاستطلاع والهجوم، ويُستخدم أساساً لتحديد الأهداف وتوجيه النيران للقوات الجوية والبرية. وتعتمد هذه القدرات بدرجة كبيرة على أدوات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمثل الذروة لعملية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في النشاط العملياتي.
وتكشف الوثائق أيضاً أن الطائرات المسيّرة من طرازَي «زيك» (Hermes 450)و«كوخاف» (Hermes 900)، من إنتاج شركة Elbit Systems، عملت خلال الأشهر الأولى من حرب «7 أكتوبر» بوتيرة غير مسبوقة؛ إذ زادت ساعات طيرانها خمسة أضعاف، وراقبت من الجو كل زاوية تقريباً في قطاع غزة، وحددت وصنّفت أهدافاً اللهجوم، بما في ذلك الطائرات المسيّرة التابعة للعدو.
وتكشف الوثائق، إلى جانب مقابلات مع مسؤولين في الجيش الإسرائيلي والصناعات العسكرية، وشهادات جمعتها منظمة Breaking the Silence، عمّا وصفه أحد المصادر بـ»الخوارزمية المتزايدة» للأنظمة غير الآهلة في الجيش الإسرائيلي. لقد أصبحت الطائرات المسيّرة تحتل مكانة مركزية أكبر في القتال، ولتنفيذ المهمات الموكلة إليها، تحتاج إلى أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة تتيح معالجة كميات هائلة من المعلومات واتخاذ قرارات ذاتية.
بدأت هذه العملية قبل الحرب في غزة بأعوام، فجرى نشر القدرات الجديدة بسرعة، وربما على عجل. وفي الحرب الأخيرة مع إيران، أصبح الذكاء الاصطناعي مدمجاً بشكل فعلي في جميع أنظمة القيادة العسكرية ضمن الانتقال إلى ما يسمى «مصنع المعلومات العملياتي» للجيش الإسرائيلي. «الخادم في السماء»
توضح الوثائق كيف تتجلى الأتمتة في عمل الطائرات المسيّرة، وتكشف بشكل نادر كيف تُضاف مكونات برمجية متقدمة إلى الأنظمة المادية والأسلحة لتوسيع قدراتها. ومن بين ما كُشف عنه لأول مرة نظام SITS، وهو اختصار لعبارة Server In The Sky «الخادم في السماء». وهو حاسوب يُركّب على متن الطائرة المسيّرة نفسها ويستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتمكينها من تنفيذ طيف واسع من المهمات.
وبحسب الوثائق، يقوم النظام بتحليل المعلومات الاستخباراتية التي تجمعها حساسات الطائرة بصورة مستقلة، فينفّذ التعرف الآلي إلى الأهداف وتصنيفها، ويقرر ما إذا كان يجب متابعتها، أو إحالتها إلى جهات مختلفة، بدءاً من مركز القيادة، مروراً بطياري سلاح الجو، وصولاً إلى القوات المقاتلة على الأرض.
كذلك يتيح النظام إدارة ذاتية لأسطول الطائرات المسيّرة فوق منطقة محددة، مع نقل المهمات بين الطائرات المختلفة لضمان المراقبة المستمرة. فعلى سبيل المثال، إذا حجبت السحب الهدف، أو اضطرت الطائرة إلى قطع المتابعة بسبب تهديد صاروخي أرضي، فتنتقل المهمة تلقائياً إلى طائرة أُخرى متاحة.
وتشير الوثائق إلى أن «الخادم في السماء» يقدم «توصيات وقرارات قائمة على الذكاء الاصطناعي»، لكنها لا توضح طبيعة هذه القرارات بالتحديد، وتصفه بأنه جزء من «أنظمة دعم اتخاذ القرار»، وهي أنظمة تستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل كميات ضخمة من البيانات وتقديم توصيات للمشغّلين بكيفية التصرف.
في آذار/مارس، أقرّ الجيش الإسرائيلي، لأول مرة، بأن بنية الذكاء الاصطناعي أصبحت تعمل بكامل طاقتها، وأنها دُمجت أيضاً في منظومة الطائرات المسيّرة الهجومية المعروفة باسم «غيوم العاصفة»، والتي تشغّل أسراباً من الطائرات لجمع المعلومات وتنفيذ الهجمات فوق غزة ولبنان وإيران وساحات أُخرى، مستخدمةً الرؤية الحاسوبية لاكتشاف الأهداف في الفيديوهات وتصنيفها ورسم خرائط لها ومشاركتها مع جميع القوات المقاتلة لحظةً بلحظة. التوجيه والحماية من الجو
دخلت طائرة زيك (Hermes 450) الخدمة قبل أكثر من عقدين، وتشكل العمود الفقري لمنظومة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية. وهي طائرة تكتيكية قادرة على حمل ما يصل إلى 150 كلغ من الحمولات المختلفة، بما فيها كاميرات متطورة، ورادار تصويري قادر على الرؤية ليلاً، ومن خلال السحب، وأنظمة اعتراض اتصالات واستخبارات إلكترونية؛ أمّا مسيّرات كوخاف (Hermes900) ، فدخلت الخدمة قبل أكثر من عقد، ويمكنها حمل 350 كلغ والطيران مدة تصل إلى 35 ساعة، أي ما يقارب ضعف مدة طيران سابقتها.
تُستخدم الطائرتان أيضاً في تنفيذ الهجمات، وهي حقيقة كانت معروفة في التقارير الأجنبية منذ أعوام طويلة، لكنها لم تُعلَن رسمياً داخل إسرائيل إلّا في سنة 2022. ووفقاً لتقارير أجنبية، تستطيع مسيّرة (Hermes 450) حمل أربعة صواريخ جو - أرض، بينما تستطيع (Hermes 900) حمل ثمانية، وتصف الوثائق أسطول هيرمس بأنه «عنصر مركزي ورئيسي» في المجهود الحربي، يؤدي مهماتٍ دفاعية وهجومية في الوقت نفسه. لقد أقلعت الطائرات من قواعد جوية كانت تتعرض للقصف، وعملت فوق المناطق الحضرية في غزة والمناطق الحرجية الكثيفة في الجنوب اللبناني. وكانت مهمتها الأساسية توفير الدعم الجوي القريب للقوات البرية العاملة في المناطق المبنية وإنشاء «مظلة حماية بزاوية 360 درجة». ووفقاً للوثائق، اكتشفت أماكن اختباء الخصوم والكمائن التي نصبوها، وحددت أهدافاً للقوات البرية.
ويتوافق هذا الوصف مع شهاداتٍ جمعتها منظمة «لنكسر الصمت»، التي تحدثت عن تنسيق كامل بين منظومة الطائرات المسيّرة والقوات البرية حتى مستوى الكتيبة. وأفاد مسؤولون عسكريون لصحيفة «هآرتس» بأن الدعم الجوي في غزة ولبنان كان بالغ الدقة، وفي حالات عديدة، جرى استهداف عناصر معادية كانت تتحرك على بُعد عشرات الأمتار فقط عن القوات الإسرائيلية. «الطب الشرعي الاستخباراتي»
تكشف الوثائق قدرةً مركزية أُخرى لأسطول الطائرات المسيّرة، وهي نظام مراقبة يدعى WAPS، أي المراقبة المستمرة لمنطقة واسعة. ويتكون هذا النظام من حمولة خاصة تُثبّت في أسفل طائرة هيرمس، تضم 10 كاميرات كهروبصرية تتيح توثيق مساحة تصل إلى 80 كيلومتراً مربعاً بدقة عالية، وفي الزمن الحقيقي، من خلال طائرة واحدة فقط، أي ما يعادل نحو ربع مساحة قطاع غزة.
وبخلاف الكاميرا التقليدية التي تراقب منطقة صغيرة، يسمح هذا النظام بمتابعة مباشرة لعدة «مناطق اهتمام» في وقت واحد داخل ساحة قتال واسعة، بهدف اكتشاف قوات الخصم وتعقّبها باستمرار. ويتيح النظام أيضاً تنفيذ ما تسميه الوثائق «الطب الشرعي الاستخباراتي»؛ أي إمكان إعادة تشغيل الفيديو إلى الخلف في الزمن الحقيقي مع دمج زوايا رؤية مختلفة، وهو ما يسمح بتتبّع نقطة انطلاق جسم معين، أو إعادة بناء سلسلة أحداث بعد وقوعها. وتؤكد الوثائق أن النظام أثبت فعالية كبيرة، باعتباره «مولّداً فعّالاً جداً للأهداف والاستخبارات» في غزة ولبنان. • وتشير الوثائق إلى أن النظام يمتلك قدرات تحليل آلية تشمل التصنيف والفرز و«حراسة العتبة» - ليس واضحاً ما المعنى الدقيق لهذه المصطلحات، ومن المحتمل أن يكون الحديث عن عملٍ مشترك مع «الخادم في السماء». في عالم الخوارزميات، يُشير مصطلح «حراسة العتبة»، من بين أمور أُخرى، إلى منظومة من المرشِّحات الآلية التي تحدد أيَّ معلومات تُنقل إلى المراحل اللاحقة، وتقرّر ما إذا كان يجب تنفيذ إجراءٍ ما، أو إصدار تنبيهٍ لمشغِّل بشري.
• كشفت تحقيقات سابقة نُشرت في وسائل الإعلام عن الاستخدام الذي يقوم به الجيش الإسرائيلي للذكاء الاصطناعي، ولقدرة معالجة المعلومات الخاصة به من أجل إنشاء «بنك أهداف». وصف الصحافي يوفال أبراهام في مجلة «972» منظومةً آليةً باسم «لافندر»، قامت في السنة الأولى من الحرب بتحليل معلومات جُمعت بوسائل مختلفة عن جميع سكان غزة تقريباً، وقدّرت مدى الاحتمال الذي يمكن التحديد على أساسه أن شخصاً معيناً هو ناشط في حركة «حماس».
وبحسب التحقيق، أدخل ضباط استخبارات إلى المنظومة بياناتٍ تتعلق بناشطين معروفين في «حماس»، وزعمت المنظومة أنها تعلّمت التعرّف إلى خصائصهم وتحديدهم بين عموم السكان. وبهذه الطريقة، حسبما ورد في التحقيق، حوّلت المنظومة عشرات آلاف الفلسطينيين إلى أهدافٍ للقصف. وشهدت مصادر في الجيش بأنه طُلب منها الاعتماد على المنظومة، تقريباً من دون فحص، على الرغم من أنه كان معروفاً أنها تُخطئ في اتهام نحو 10% من الأشخاص.
إن القدرات التي أُدمجت في الطائرات المسيّرة وشُغِّلت في غزة ولبنان، ومؤخراً أيضاً في إيران، بيعت، بحسب شركة إلبيت، لِما لا يقلّ عن «عشرين دولة». وفي أغلب الأحيان، لا تكشف الشركة عن هوية زبائنها، لكن يمكن أن نعرف، من منشورات وتقارير عديدة، أن بعض الأنظمة، بما في ذلك في التهيئة الهجومية، بيعت لأذربيجان والبرازيل والمكسيك وسويسرا والفلبين وتايلاند وسنغافورة. وتنتج الهند بنفسها طائرة Hermes 900 ، في إطار مشروع مشترك مع شركة إلبيت، واشترت صربيا هذه الطائرة، كجزء من صفقة سلاح واسعة تزيد قيمتها عن 300 مليون دولار. كذلك اشترى حرس الحدود والحرس البحري التابعان للاتحاد الأوروبي هذه الطائرات المسيّرة، التي تُستخدم أيضاً لحاجات مدنية، ولمراقبة الحدود.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية