برحيل القاضي بركان سعد، تطوى صفحة مشرقة من صفحات العدالة اللبنانية، ويفقد السلك القضائي ركناً من أركانه الذين صانوا هيبة القضاء وحملوا راية الاستقلالية بصدقٍ وإخلاص. رحيله لا يُحزن قصر العدل فحسب، بل يحزن كل من عرف هذا الرجل النبيل، بدماثة خلقه، وعمق إيمانه بالقِيَم التي شكّلت أساس مسيرته المهنية والإنسانية.
عرفته منذ أيام الدراسة الجامعية في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية – الفرع الأول (الصنائع)، حيث كنا نقضي معظم أوقاتنا فيها، نحلم بغدٍ أفضل، ونناقش قضايا القانون والعدالة والوطن بشغف الشباب وصدق النيّة. كان بركان يومها شاباً هادئاً، جدّياً، يكره الظلم ويقدّس العدالة، يتميّز بصفاء ذهنه ونقاء سريرته. ثم شاء القدر أن يختار هو طريق القضاء، وأن أختار أنا مهنة المحاماة، فافترقت المسارات وتلاقت مجدداً في قصر العدل، حيث استعدنا ذكريات الصبا، ولكن في ظل مسؤوليات أكبر وأعباء أضخم.
منذ دخوله القضاء عام 1981، شقّ الراحل الكبير طريقه بثباتٍ واجتهاد، متنقّلاً بين أهم المراكز القضائية: مستشاراً لدى محكمة استئناف جبل لبنان، ثم رئيساً ومستشاراً لدى محكمة استئناف بيروت، فمحامياً عاماً في جبل لبنان، فمستشاراً لدى محكمة التمييز، فرئيس غرفة في محكمة التمييز، وعضواً في المجلس العدلي، قبل أن يتولى رئاسة هيئة التفتيش القضائي وعضوية مجلس القضاء الأعلى.
وفي كل هذه المواقع، ظلّ بركان سعد مثال القاضي المنضبط، الحازم، النزيه، الذي لا يساوم على الحق، ولا يلين أمام الضغوط، مؤمناً بأن كرامة القاضي من كرامة العدالة نفسها.
لقد ترك بصمة خاصة في هيئة التفتيش القضائي، حيث عمل على تفعيلها وجعلها سلطة فاعلة ذات هيبة ومهابة، هدفها ليس العقاب بقدر ما هو إعلاء شأن القضاء وتحصينه من الفساد. كان يحرص على أن يبقى التفتيش مرجعاً للعدالة الداخلية في الجسم القضائي، وأن تكون المحاسبة وسيلة لحماية سمعة القضاء لا للنيل من أحد.
أما في شخصه، فكان نظيف الكف، مستقيم الضمير، عالي الأخلاق، يعامل زملائه القضاة والمحامين والموظفين برقيّ واحترام، يؤمن بأن التواضع هو تاج القاضي الحقيقي. لم يعرف الحقد، ولم يسعَ إلى سلطة أو مجدٍ شخصي، بل كانت غايته أن يَترك أثراً ناصعاً في سجل العدالة اللبنانية. وكان من أشدّ المدافعين عن استقلالية السلطة القضائية، وعن حق القضاة في أن يكون لهم نادي يُعنى بشؤونهم وكرامتهم، إيماناً منه بأن القاضي لا يمكن أن يكون حرّاً في حكمه إن لم يكن حرّاً في ذاته.
وإلى جانب مهامه القضائية، كان أستاذاً محاضراً في معهد الدروس القضائية، يزرع في طلابه قيم النزاهة والتجرّد والالتزام. وقد أحبّ مهنته حتى آخر يوم من عمره، وخدمها بشرفٍ وتفانٍ قلّ نظيرهما.
رحل بركان سعد عن عمرٍ يناهز الحادية والسبعين، بعد مسيرةٍ امتدت أكثر من واحدٍ وأربعين عاماً من العطاء المتواصل، تاركاً وراءه إرثاً من المواقف المشرّفة، وسيرةً تليق بقاضٍ كبيرٍ وأخٍ عزيزٍ وصديقٍ وفيّ.
تعازينا الحارّة إلى عائلته الكريمة، لا سيما زوجته السيدة سمر الربعة، وابنته القاضية دينا، وابنه رجل الأعمال سامر سعد. رحم الله القاضي بركان سعد، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن لبنان وقضائه خير الجزاء.
فعلاً لقد كان بركان سعد رفيق العمر، وصديق الأيام الجميلة، ورمزاً للقاضي الإنسان، الذي عاش نزيهاً ورحل كريماً، تاركاً في القلب فراغاً لا يُملأ، وفي الذاكرة بصمة لا تُمحى.
وإِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون.