8 حزيران 2026 12:00ص المقاصد وبيروت.. ثنائية الوعي والهوية (6)

المقاصد في مهب الانتداب الفرنسي

حجم الخط
مقدّمة: صدمة الانتداب وجغرافيا السياسة الجديدة في بيروت

مع أفول نجم الدولة العثمانية، خضعت بيروت لجغرافيا سياسية جديدة فرضها الانتداب الفرنسي، الذي سعى عبر مشروع ثقافي وسياسي إلى صياغة هوية المنطقة وتفكيك روابطها العربية. ورغم المشهد البروتوكولي الجامع الذي رتّبه الجنرال «غورو» في قصر الصنوبر عام 1920 لإعلان «دولة لبنان الكبير» إيحاءً بموافقة جماعية، إلّا أن الواقع كان يحمل صداماً حتمياً؛ حيث وجدت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية نفسها في الخط الأمامي للدفاع عن عروبة المدينة وكيانها الثقافي، وتصدّت عبر شبكتها التعليمية المستقلة لسياسات «الفرنسة» الاستعمارية التي توجست منها سلطات الانتداب وضغطت لتحجيم فكرها التنويري.

• معركة الاستقلالية: محاولات الاحتواء والمقاومة التربوية

لم تتأخّر سلطات المفوضية العليا الفرنسية في محاولة بسط رقابتها الإدارية والتربوية على المدارس المقاصدية، مستخدمةً سلاح «المراسيم التنظيمية» والمناهج المفروضة قسراً. حاولت إدارة الانتداب فرض اللغة الفرنسية كلغة تدريس أساسية وإلزامية، وإخضاع التعيينات التعليمية لإشراف مستشاريها الثقافيين، بهدف تفريغ التعليم المقاصدي من مضمونه الوطني والعربي الذي تأسس عليه.
لكن رجالات المقاصد وأعيان بيروت، الذين تمرّسوا عقوداً طويلة في مواجهة التجميد العثماني والدمج البلدي، أداروا المعركة الجديدة بحنكة بالغة وصلابة لا تلين. رفعت الجمعية شعار «السيادة التعليمية»، ورفضت المداهنة أو التفريط باللغة العربية كوعاء للفكر والهوية، معتبرةً أن مناهجها هي حصن النشء الأخير.
وكانت المقاصد قد درّست الفرنسية منذ أيام التأسيس الأولى، فواجهت المطالب الفرنسية بمنطق الإضافة لا الإحلال.
وتطوعت العائلات البيروتية مجدّداً لتوفير الدعم المالي الذاتي للجمعية، تفادياً للوقوع تحت طائلة «المساعدات المشروطة» التي حاولت سلطات الانتداب تقديمها لابتزاز الإدارة المقاصدية وإخضاعها لدفاتر الشروط الفرنسية.

• سدنة الأمانة في زمن التحوّل: قادة مرحلة الانتداب

- الشيخ مصطفى نجا: القامة الروحية وحارس الأمانة في العبور الكبير (1919-1920):
لم يكن الشيخ مصطفى نجا (1853 - 1932) مجرد مرجعية دينية للمدينة، بل كان رجل المرحلة التاريخية المفصلية بامتياز. وهو من أقدم الأسر الإسلامية البيروتية العريقة، ومفتي بيروت منذ عام 1905 حتى وفاته، وقد عُرف بنظافته ونزاهته حتى إن جمال باشا «السفاح» نفسه كان يُقبّل يديه أمام الناس إجلالاً لقدره.
بصدور قرار توليه رئاسة جمعية المقاصد في عام 1919، وضع المفتي نجا هيبته الروحية والوطنية الكبرى درعاً حامياً للمؤسسة في اللحظة التاريخية الحرجة التي كانت سلطات الانتداب الفرنسي تحاول فيها تلمس طريقها لخلخلة البنية الأهلية لبيروت.
تميّز عهده بالصلابة المبدئية والرفض القاطع لأي محاولة فرنسية للمساس بسيادة التعليم أو استقلالية القرار المقاصدي، فكانت العائلات البيروتية تلتف حول عمامته وقيادته مستمدةً من نظافته قوةً للصمود وتأمين استمرارية المدارس دون الرضوخ لشروط المستعمر.
وقد انتخب الشيخ نجا أربعة وعشرين وجيهاً مسلماً وجعل منهم أعضاء لجمعية المقاصد، وعمل معهم على تشييد المدارس والكليات للبنين والبنات، ونشر ما يزيد على سبعين مدرسة في قرى لبنان باسم مدارس تعليم فقراء المسلمين. ومن إنجازاته في هذه المرحلة أن المقابر الإسلامية كلها انضمت منذ عام 1919 إلى عهدة جمعية المقاصد، وفي عام 1920 تأسست مدرسة فاطمة الزهراء في رأس النبع.
لقد نجح المفتي نجا في قيادة «العبور الكبير» بالجمعية من فوضى ما بعد الحرب العظمى وسقوط الإدارة العثمانية إلى بر الأمان المؤسسي، مسلِّماً الأمانة وهي عزيزة الجانب، وممهِّداً الأرضية لرجالات التنظيم الإداري والدستوري.

يتبع