إن أخطر ما يواجهه الأفراد والمجتمعات العربية اليوم ليس تعدد الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بقدر ما هو الميل المستمر إلى إعادة إنتاج الأدوات نفسها التي أسهمت في صنع هذه الأزمات. فبدل مساءلة الخيارات التي أثبت الزمن محدوديتها وإخضاعها للنقد والمراجعة، يستمر التمسّك بها والدفاع عنها، وكأن الخلل يكمن في التطبيق لا في جوهر الفكرة. وهكذا يتحوّل الفشل من تجربة يُفترض أن تُستثمر في التعلم إلى واقع مألوف يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية؛ حين يتحوّل الإصرار على الخطأ إلى فضيلة، وتُصبح الاستمرارية دليلاً على الثبات والحكمة. وتجسّد «نظرية الحصان الميت» هذه المفارقة بأبلغ صورة؛ إذ تُقدَّم استعارة ساخرة عميقة الدلالة تكشف العقلية التي يتعامل بها الأفراد والمؤسسات مع الأفكار والسياسات التي فقدت فعاليتها. وهي تقوم على فكرة بسيطة: «إذا اكتشفت أنك تركب حصاناً ميتاً، فإن الحل المنطقي والعقلاني الوحيد هو الترجّل عنه». غير أن الواقع غالباً ما يسير في اتجاه معاكس؛ فبدل اتخاذ هذا القرار، تُتخذ إجراءات عبثية، كشراء سرج جديد للحصان الميت، أو زيادة العلف، أو استبدال الفارس، أو تغيير المسؤول. أو ربما يتم تشكيل لجان لتفسير التراجع، و إعداد تقارير مطولة تبرر العجز، وكأن الإشكال يكمن في كل شيء عدا الحقيقة الأساسية: أن الحصان قد انتهى ومات.
ومن هنا تبرز أهمية هذه النظرية كأداة نقدية تكشف كيف يتحوّل التمسّك بالمشاريع والسياسات المتعثرة إلى عائق أمام المراجعة والتجديد، بما يؤدي إلى هدر الموارد والجهد والوقت، بدل توجيهها نحو بدائل أكثر قدرة على الاستجابة لتحديات الحاضر وصناعة المستقبل. لذلك فإن الاعتراف بفشل خيار ما لا يمثل ضعفاً، بل يعكس شجاعة فكرية ومرونة وقدرة على التعلّم. وفي السياق المعاصر، لم تعد هذه النظرية مجرد صورة ساخرة للبيروقراطية، بل أصبحت إطاراً يصف أنماطاً ذهنية وسلوكية أكثر تعقيداً. فنجد أنظمة سياسية تعيد إنتاج الخطابات نفسها رغم تراجع فعاليتها، ومؤسسات تعليمية تكرر مناهجها رغم اتساع الفجوة مع الواقع، وأفراداً يتمسّكون بعلاقات أو قناعات فقدت قدرتها على الاستمرار. وهكذا لا يُواجَه موت «الحصان»، بل يُستمر في إنكار وقوعه. وتزداد أهمية هذه المقاربة عند إسقاطها على الواقع العربي، حيث شهدت المنطقة، عبر عقود طويلة، تكراراً لأنماط من التعاطي مع قضايا التنمية والإدارة والتعليم والسياسة، دون مراجعة جذرية للمنطلقات. وغالباً ما يقتصر التغيير على تعديلات شكلية لا تمسّ البنية العميقة للإشكال، فيتحوّل الإصلاح إلى إعادة ترتيب للأدوات ذاتها بدل استبدالها أو تجاوزها.
فلسفياً، يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال مفهوم «الإنكار الوجودي». فالإنسان، كما يرى بعض الفلاسفة، ليس كائناً عقلانياً بالضرورة، بل كائن يسعى إلى الحفاظ على تماسك صورته عن ذاته والعالم، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة. فالاعتراف بأن الحصان قد مات يعني الاعتراف بأن اختياراتنا السابقة كانت خاطئة، وأن الزمن الذي استثمرناه قد ضاع، وهو اعتراف مكلف نفسياً لأنه يهدّد هوية الفرد واستقراره الداخلي.
ومن جهة أخرى، يمكن ربط هذه النظرية بما يسميه علم النفس «مغالطة التكلفة الغارقة»، حيث يستمر الإنسان في استثمار الوقت والجهد في مشروع خاسر فقط لأنه استثمر فيه سابقاً. هنا لا يكون الاستمرار عقلانياً، بل عاطفياً، مبنياً على الخوف من الخسارة أكثر من الرغبة في النجاح. وهكذا يتحوّل الحصان الميت إلى عبء مقدّس لا يجوز التخلّي عنه.
لكن الأخطر في هذه الظاهرة هو بعدها الجماعي؛ فعندما تتبنّى جماعة أو دولة بأكملها حصاناً ميتاً، يتحوّل الوهم إلى حقيقة مؤسسية. تُنشأ لجان لدراسة «كيفية تحسين أداء الحصان الميت»، وتُعقد مؤتمرات حول «تحديث أساليب التعامل معه»، وتُنتج خطابات إعلامية تمجّد «صموده». في هذه اللحظة لا يعود الموت مشكلة، بل يصبح إنكاره هو القاعدة، وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«عقلنة العبث»، حيث يُعاد تفسير الفشل على أنه نجاح مؤجل، وتُقدَّم الأزمات بوصفها مجرد عقبات عابرة في طريق مشروع لم يعد قادراً على الحياة. إن نقد هذا النمط لا يقتصر على الدعوة إلى التخلّي عن مشاريع فاشلة، بل يتطلب إعادة بناء ثقافة تقوم على المراجعة المستمرة، والاعتراف بالخطأ، والقدرة على الانتقال إلى بدائل أكثر ملاءمة. فالتقدّم لا يتحقق عبر التمسّك بما انتهى فعلياً، بل عبر الجرأة على تجاوزه.في النهاية، تقودنا هذه النظرية إلى أن نتأمّل حياتنا وأن نطرح سؤالاً جوهرياً: هل من الحكمة أن نستمر في الاستثمار في «حصان ميت»؟ أم حان وقت الترجّل؟ نحن بحاجة، من وقت لآخر، إلى أن نراجع «خيولنا» التي نتمسّك بها في الحياة: هل ما زالت حيّة وتمنحنا معنى وتقدّماً، أم أننا نخدع أنفسنا خوفاً من التغيير؟ هل نريد الحقيقة والتطور فعلاً... أم نريد روايةً وهميةً تُبقينا فرساناً لخيولٍ ميتة؟