من إعلام العدو: تفكيك الدولة الموازية لحزب الله أهم من نزع السلاح!
أفيرام بلايش
يشكل اتفاق الإطار، الذي وُقِّع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو، إنجازاً دبلوماسياً حقيقياً، وصفه السفير يحيئيل لايتر بأنه خطوة على طريق السلام؛ إلّا إن القضية الحقيقية كانت فيما لم يظهر؛ فالمصافحة الوحيدة التي وُثّقت كانت بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والسفيرة اللبنانية في الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، بينما لم يُسجَّل أي تواصل مباشر بين السفيرين الإسرائيلي واللبناني.
الجانب اللبناني لم يأتِ على ذكر إسرائيل، أو السلام، بل ركز فقط على السيادة وإنهاء الأعمال العدائية وعودة النازحين. لم يكن هذا الخلل في الخطاب مسألة بروتوكول، أو مجاملة، بل يعكس، بحسب معوض، ثلاثة عوائق رئيسية: أولها أن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، والتي وُقعت قبل ذلك، عززت موقع إيران، وبالتالي حزب الله؛ وثانيها، أن حزب الله ليس مجرد قوة عسكرية، بل كتلة سياسية مؤثرة في البرلمان اللبناني؛ وثالثها، العجز الفعلي عن نزع سلاح الحزب. لذلك تحصر معوض النقاش في إطار السيادة والانسحاب، وليس السلام، انطلاقاً من إدراكها أن الاتفاق سيفشل من دون دعم خارجي يبني القدرات التي تفتقر إليها الدولة اللبنانية.
المفارقة الاستراتيجية
من وجهة نظر السفير الإسرائيلي الذي يؤيد التطبيع، لكنه يدرك أنه لا يزال بعيد المنال، يتمثل الإنجاز الدبلوماسي الحقيقي في مواجهة النفوذ الإيراني. لقد وُقِّع هذا الإطار في وقتٍ حاولت مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية ربط القضية اللبنانية بطهران، لكنه يكرس العكس: لبنان يقف في مواجهة إسرائيل مباشرةً، وليس إيران، والانسحاب الإسرائيلي مشروط بنزع سلاح حزب الله.
أمّا بالنسبة إلى واشنطن، فيُعدُّ الاتفاق انتصاراً إعلامياً يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لقب «صانع السلام»، على الرغم من تأكيد وزير الخارجية ماركو روبيو أن ما حدث ليس سوى «بداية البداية». وعلى الرغم من اختلاف الخطاب، فإن الطرفين متفقان على أن إيران هي أصل المشكلة؛ إسرائيل تتحدث بلغة الأمن، بينما يتحدث لبنان بلغة السيادة.
ما دام النظام الإيراني قائماً، ستواصل إيران إعادة بناء أذرعها وترسانتها الصاروخية وبرنامجها النووي، مع تطوير وسائلها باستمرار؛ لذلك ينبغي لأي تسوية أن تستند إلى فهم الاستراتيجيا الإيرانية ومشروع تصدير الثورة. إن إنشاء آلية تهدف إلى تجنُّب الاحتكاك بإيران يعكس منطقاً معيباً، إذ لا يمكن بناء قناة هدفها تجنُّب الاحتكاك بمصدر التهديد نفسه.
يعتبر المسار اللبناني إيران مصدر التهديد، في حين أن مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية تخاطر بالتعامل مع إيران، باعتبارها جزءاً من الحل، وهذا خطأ استراتيجي؛ كذلك يركز الاتفاق على نزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته العسكرية، لكنه يتعامل مع «الذراع» ويتجاهل «الجسد».
الدولة الموازية
إن حزب الله ليس مجرد ميليشيات تعمل داخل دولة، بل أصبح دولة موازية؛ فمنذ سنة 2008، بات يمتلك فعلياً حق النقض (الفيتو) في الحياة السياسية اللبنانية؛ ويدير مصرف «القرض الحسن»، الذي يخدم نحو 300 ألف عميل ويبلغ حجم نشاطه نحو ثلاثة مليارات دولار؛ كذلك يشغّل الحزب مستشفيات، ومدارس المهدي، وهيئة «جهاد البناء» لإعادة الإعمار، وقناة المنار الإعلامية، فضلاً عن شبكة استخبارات محلية. وهذه المنظومة من الخدمات والعلاقات تمنح السلاح شرعية داخل أجزاء من المجتمع الشيعي.
من سينزع سلاح حزب الله؟ لا أحد بالقوة، إلّا إذا انزلق لبنان إلى حرب أهلية؛ وليس الجيش اللبناني، الذي بقيَ متفرجاً خلال أحداث أيار/مايو 2008 عندما سيطر الحزب على غرب بيروت، ولم يتحرك أيضاً في سنة 2025 على الرغم من تراجُع قوة الحزب وانقطاعه عن إيران.
لقد تعرّض جهاز الاستخبارات العسكرية لاختراق من حزب الله، والدليل على ذلك الحادثة التي وقعت في كانون الثاني/يناير 2025، حين حذّر مسؤول استخبارات في الجنوب الحزب من مداهمات كانت مقررة، فضلاً عن أن عمليات نزع السلاح في جنوب نهر الليطاني، في معظمها، تتم بالتنسيق مع حزب الله، وليس ضده.
كذلك الوحدات العسكرية التي خضعت لتدقيق أمني (Vetted Units)، والتي تتحدث عنها واشنطن، لن تكون، هي الأُخرى، قادرة على تنفيذ المهمة. فالفكرة التي طرحها ماركو روبيو لم تُقدَّم رسمياً لبيروت، وهذه الوحدات لم تختبر شمال الليطاني، ولم تُنشأ أصلاً لقتال حزب الله. وصف قائد القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM)الأميرال براد كوبر هذه المهمة بأنها شديدة الصعوبة، على الرغم من إنفاق ثلاثة مليارات دولار على الجيش اللبناني منذ سنة 2006.
لم تكن المشكلة يوماً تكمن في القدرة العسكرية، بل في الإرادة السياسية والشرعية الاجتماعية؛ فمقاتلو حزب الله في الجنوب هم أبناء القرى الشيعية نفسها، ولا يوجد حلّ عسكري لمسألة الهوية والانتماء؛ لذلك، فإن هذا الاتفاق يقوم على وهم؛ لأن نزع السلاح بالقوة غير ممكن ما دامت المنظومة المدنية التي تنتج هذا السلاح وتدعمه لا تزال قائمة؛ وإذا بقيت الدولة الموازية على حالها، فإن حزب الله سيعود بالتدريج، عبر مؤسسات الإعمار والتعويضات والعشائر والمساجد وشبكات الاستخبارات المحلية.
أن مهمة الوحدات الأمنية التي خضعت للتدقيق ليست نزع السلاح، إنما تثبيت السيطرة على المناطق، بعد أن تكون قد تغيرت بعملية مدنية واجتماعية، فهي قوة داعمة وليست قوة حاسمة.
تغيير المعادلة
هنا نتوصل إلى توصيتين رئيسيتين بدعم خارجي:
أولاً، مواجهة حزب الله في نقطة ضعفه، أي الدولة الموازية، وليس في ساحته العسكرية. ويجب أن تمرّ خدمات الإعمار، والائتمان، والتعويضات، وجميع المساعدات العربية والغربية، حصرياً، عبر الدولة اللبنانية والجهات التي خضعت لتدقيق أمني، حتى لا يتمكن الحزب من العودة إلى الجنوب من خلال إعادة الإعمار؛ كذلك يجب مواصلة استهداف مؤسسة «القرض الحسن» المالية وتجفيف مواردها شيئاً فشيئاً، بدلاً من الاكتفاء بالمواجهة العسكرية.
ثانياً؛ تمكين الجنوب اللبناني من إدارة شؤونه بنفسه، عبر إنشاء إدارة مدنية لبنانية كاملة، بإشراف الدولة اللبنانية والولايات المتحدة، لكن من دون إشراف إسرائيلي، وبالشراكة مع المجتمع المدني الشيعي، ورؤساء البلديات، والعشائر، ورجال الدين، والنازحين، بهدف منع عودة حزب الله، عبر المؤسسات المدنية والمدارس والمساجد والسلطات المحلية.
يجب أن يستند الفرز بين الأفراد إلى الأفعال المثبتة، لا إلى الانتماء الطائفي، هناك كثيرون من الشيعة، من مواطنين ورجال دين، يدعون إلى تسليم السلاح والولاء للدولة. إن ترتيب العمليات أمر حاسم؛ إذ يجب تأمين منطقة صغيرة أولاً، وفصلها عن منظومة الاعتماد على حزب الله، ثم إدخال الإدارة المدنية والخدمات وبرامج إعادة الإعمار إليها فوراً.
إلى جانب ذلك، يجب تنظيم حملة إعلامية تُظهر للّبنانيين بصورة ملموسة أن التوصل إلى تسوية مستقرة مع إسرائيل سيجلب الاستثمارات، والتكنولوجيا، والمساعدات الطبية، وغيرها من المنافع، بطريقة تُضعف رواية حزب الله التي تعتبر أي تعاوُن خيانة. ويجب وضع شرطين غير قابلَين للتفاوض: حماية المشاركين في العملية كي لا يتعرضوا للترهيب، أو الاتهام بالعمالة.
أن تكون العملية بقيادة لبنانية، وليس تحت رعاية إسرائيلية علنية، لأن ذلك سيؤدي إلى انهيارها، على غرار ما حدث مع جيش لبنان الجنوبي في سنة 2000.
يمثل اتفاق الإطار إنجازاً حقيقياً، لكنه ليس سلاماً، ولن يتحول إلى سلام ما دام يعالج مسألة السلاح ويتجاهل الدولة الموازية التي تنتجه. لقد كان حفل التوقيع حدثاً تاريخياً، لكن التاريخ الحقيقي لن يُكتب في واشنطن، بل في أول قرية في الجنوب اللبناني يقرر فيها المواطنون اللبنانيون، وليس حزب الله، مَن يدير حياتهم؛ فإمّا أن ينبع السلام من الشعب، أو لن يكون هناك سلام على الإطلاق.
المصدر: مركز القدس للشؤون العامة والسياسة
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية






