6 حزيران 2026 12:00ص لبنان.. حبر الوهم ودخان الجحيم

حجم الخط
محمد جارودي

في تاريخ الشعوب، تُطوى صفحات الحروب عادةً حين تُكتب أسماء الضحايا بمداد السلام. أما في لبنان، فيبدو أن الدم لا يجف، والمدافع لا تصمت إلّا لتعيد الكرة من جديد. بينما تُعلن البيانات الرسمية «اتفاقات تهدئة» و«تفاهمات وقف إطلاق نار»، يستيقظ اللبنانيون على رائحة البارود وأنقاض المنازل، وعلى صوت الانفجارات التي لا تحترم لا حبراً ولا توقيعاً. هنا يطرح الواقع سؤالاً وجودياً قاسياً: ما قيمة أي اتفاق إذا كان مجرد حبر على ورق يُمحى بدخان القذائف؟ وهل يمكن أن تكون السيادة مجرد شعار، بينما الأرض تُحرق والناس يُدفنون تحت أنقاض «التفاهمات»؟
لا يمكن لأي ذريعة أمنية، مهما بدت مشروعة في عيون صاحبها، أن تبرر استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، واستهداف المدنيين، وترويع الأطفال، وتدمير البنى التحتية. هذه الممارسات لا تقوّض فرص الاستقرار فحسب، بل تحوّل الحديث عن التهدئة إلى شعارات فارغة، وتجعل من «السلام» كلمة ساخرة في أفواه المتضررين. فأي اتفاق لا يُحترم من جميع الأطراف يفقد معناه، وأي خرق له يدفع ثمنه المواطن البسيط أولاً: بيته المهدَّم، أرضه المحروقة، ومستقبله المعلَّق.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الحقيقة المرة الأخرى: لبنان دفع على مدى عقود أثماناً باهظة نتيجة سياسات ومقاربات جعلته ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية. تحوّلت الدولة إلى «مسرح» لرسائل الآخرين، وصارت كرامة اللبنانيين رهينة حسابات تتجاوز حدودهم. لقد أثبتت التجارب المريرة أن كرامة الشعوب لا تُقاس بعدد الشعارات التي تُرفع باسمها، بل بقدرتها على حماية أبنائها وتوفير أدنى مقومات الحياة الكريمة. إلى متى يبقى مستقبل اللبنانيين رهينة صراعات إقليمية وتوازنات دولية؟ وإلى متى يستمر الجدل العقيم حول «الانتصار» و«الهزيمة» بينما المواطن هو الخاسر الدائم؟
إن المشكلة اليوم لم تعد مجرد خلاف سياسي أو نزاع عسكري عابر، بل أزمة وجودية تتعلق بمفهوم الدولة نفسها. كيف يمكن لدولة أن تدّعي السيادة وهي لا تحتكر قرار الحرب والسلم؟ لقد تحوّل لبنان مرة أخرى إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية، حيث يُدفع الثمن دائماً بالدم اللبناني. هذا ليس مجرد خرق لاتفاق، بل إهانة مباشرة لمفهوم الدولة الحديثة. فالدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها تفقد شرعيتها تدريجياً، حتى لو احتفلت بانتصارات وهمية على شاشات التلفزة وفي بيانات النصر.
سئم اللبنانيون لغة «الانتصارات المعلنة والهزائم المضمرة». تعبوا من البيانات المتقابلة التي لا تعيد منزلاً مهدَّماً، ولا تطمئن طفلاً خائفاً، ولا تعيد الحياة إلى قرية تحوّلت إلى أطلال. ما يريده الناس اليوم ليس المزيد من الخطابات الرنانة، بل وقفاً فعلياً ومستداماً لإطلاق النار، واحتراماً حقيقياً للمواثيق، وإرادة سياسية صادقة تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار حزبي أو إقليمي.
وبعد كل هذا الدمار والألم، لم يعد السؤال الجوهري: «من ربح الجولة ومن خسرها؟»، بل: كيف ننقذ لبنان من دوامة العنف المتكررة التي لا تترك ورائها سوى الخراب واليأس؟
الأوطان لا تُبنى بالمكابرة، ولا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالحكمة والمسؤولية والالتفاف حول مؤسسات الدولة والقانون. الشجاعة الحقيقية اليوم هي أن يقول اللبنانيون بصوت واحد: «كفى». كفى استخدام أرضنا ساحة لصراعات الآخرين، وكفى دماء أبنائنا وقوداً لمعارك لا ناقة لنا فيها ولا جمل. 
إنقاذ لبنان يبدأ باستعادة الدولة لقرارها السيادي، واحترام المواثيق دولياً، ووضع حياة المواطن وكرامته فوق كل الحسابات والمصالح. فإما أن نخرج من هذا النفق بدولة حقيقية قادرة على حماية أبنائها، أو نبقى نعيش في ظل الدخان، نكتب اتفاقات جديدة على أوراق ستحترق غداً.