بيروت - لبنان

اخر الأخبار

29 آب 2025 12:00ص الاقتداء بالنبي... الواجب الغائب في بلادنا

حجم الخط
يقول الله تعالى في كتابه الكريم {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، وهذه الآية ليست مجرد كلمات ألصقت ببعضها فكوّنت آية قرآنية نقرأها بلساننا أو نتعبّد بها في ركعة هنا أو هناك وانتهى الأمر.. ولكن هي في حقيقتها مرتكز إيماني أخلاقي تقوم عليها حياة الإنسان المسلم في كل جوانبها.
لذلك حين يقرأ المسلم هذه الآية فهذا يعني أنه علينا لزاما التيقن أن التأسيَ برسول الله صلى الله عليه وصحبه وسلم هو أولا واجب ديني على كل مسلم، وثانيا أن هذا الواجب ليس مجزّءا... أي لا يكون في جانب دون جانب، ولا في ناحية دون ناحية، بل هو واجب في العبادة والمعاملة والأخلاق والآداب والسلم والحرب والأمن والخوف بكل شيء مهما كبر أو صغر..

الأسوة الحسنة للاقتداء به

ماذا يعني قول الله تعالى {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}، يعني يا من آمنتم باللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخر.. يا من قرأتم قول الله تعالى {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}.. إذا أردتم أن تتعلموا كيفية التعامل مع كل مجريات الدنيا في كل المجالات.. فعليكم أن تجعلوا النبي صلى الله عليه وصحبه وسلم النموذج والقدوة في حياتكم...
وهنا السؤال الكبير... لماذا لازم علينا أن نقتدي بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟!
الجواب.. لأنه الإنسان الذي تمثّلت فيه الصفات المثلى للكمال الإنساني..؟!
مرة أخرى... ولماذا تمثّلت فيه الصفات المثلى للكمال الإنساني..؟!
بكل بساطة.. لأنه الإنسان الذي أدّبه ربه فأحسن تأديبه..؟! وبالتالي فإن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وصحبه وسلم يعني السير على المنهج الرباني الذي أُمرنا به..
وهنا قد يسأل كثير من الناس.. ماذا يعني مصطلح القدوة؟!
الاقتداء هو اتباع شخص في أمر معيّن، على اعتبار أن المقتدَى به هو في درجة أعلى في التكامل من المقتدي وأرقى منه منزلة...
ونحن إذ نكتب هذا الكلام فلأن غياب التأسّي بالنبي صلى الله عليه وصحبه وسلم قد انتشر في بلادنا ومجتمعنا؟؟
إن عدم التزامنا بهذه القاعدة القرآنية العظيمة يشكّل علينا خطورة كبيرة، وهي أننا إذا فقدنا القدوة في فكرنا ونفوسنا وثقافتنا وحياتنا أصبحنا نعيش في تخبط.. بلا مرجع.. بلا دليل.. بلا منهج.. وبالتالي سنربّي الأبناء أيضا بلا قدوة... ثم.. سيفقد المجتمع بأكمله معنى القدوة وستكون النتيجة الطبيعية انتشار الفساد واختلاط المفاهيم وانقلاب المقاييس... والأهم.. ضياع الهوية عند المجتمع بكل أفراده..؟!
وضياع الهوية عند المجتمع... يعني مجتمع لا شخصية له.. ولا مميزات له .. ولا حضارة له.. ليس لديه منهج يسير عليه، أي مجتمع ليس عنده انتماء ولا فهم لطبيعة العلاقة مع وطنه ولا مع أهله مما يهدّد مستقبل أبنائه..؟!
ولذلك نقول أن المطلوب اليوم وبسرعة أن نعود بعبادتنا وأخلاقنا وتصرفاتنا وعلاقاتنا وأعمالنا وزواجنا وأبنائنا وأهلنا وجيراننا وأصدقائنا وكل أمور حياتنا... إلى شرف الاقتداء برسول الله عليه الصلاة والسلام حتى يثمر هذا الاقتداء في مجتمعنا..؟!؟

العلم والعمل

ولكن هنا لا بد من القول بأن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وصحبه وسلم يقتضي أمرين أساسيين لا مفر منهما... بل لا يمكن أن نكون من المقتدين بالنبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم إذا لم نعمل بهذين الأمرين..
وهما العلم والعمل..
فإذا ما تعملّنا من هو النبي.. وماذا يمثل النبي لنا.. وكيف عاش النبي وبِمَ أمرنا النبي فعلينا العمل بما تعلمناه عن النبي... وإلّا حق علينا قول الحق تبارك وتعالى {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}؟!
أيها السادة الكرام.. حتى من الناحية النفسية والتربوية والاجتماعية غياب القدوة في المجتمع يؤدي إلى خلل كبير على كل الأصعدة..؟!
فالعلماء المتخصصون يقولون أن شيوع الفساد في المجتمعات بكل أنواعه.. السبب الأول فيه هو غياب القدوة.. لأن الأبناء يكبرون وتبدأ مداركهم بالتوسّع فلا يجدون من حولهم قدوة تعرّفهم الخطأ من الصواب، فتكون النتيجة الطبيعية أنهم يسعون لتجريب كل شيء ولتجربة كل أمر دون أدنى رادع ديني أو أخلاقي..
فعلى كل من ينطبق عليه صفة مسؤول أيا ما كانت مسؤوليته، مسؤولية زوجية أو أسرية أو اجتماعية أو سياسية أو تربوية أو...، وعليه أن يعلم أن القدوة ليست شعارات أو كلمات نتغنّى بهاـ وليست نظريات نقرأها ونتكلم عنها، وإنما هي قبل كل شيء أعمالٌ وسلوكيات وقِيَم حياتية نعمل بها ونلتزم بأبعادها..؟!
ألا يقول الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}..؟! أي أن من أول الصفات المميّزة لموضوع القدوة بحياة النبي صلى الله عليه وصحبه وسلم أنه كان لا يأمر بشيء إلّا وكان أولَ العاملين به..؟!
يأمر بالعدل... وهو عادل..
يأمر الرحمة... وهو رحيم..
يأمر بحسن الخلق... وهو على خلق عظيم..
يأمر بالتسامح.. وهو المسامح القدوة..
وهذا أيضا ما أمر به النبي صلى الله عليه وصحبه وسلم
فقد قال (ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجسّانه).. يعني أن الأهل والمسؤولين لا بد أن يعملوا أنهم قدوة لأبنائهم أو لرعيتهم، وبحسب أعمالكم التي يرونها ستكون شخصياتُهم في المستقبل.
يقول أيضا (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أي أنتم قدوة لأولادكم، فأحسنوا وإلّا ضاع الأبناء.. 
إن الحقيقة الواقعة في بلادنا تخبرنا بما لا يدع مجالا للشك أن القدوة كأصل إيماني تربوي للأسف غائبة في المجتمع بكل نشاطاته..؟!
فأين السياسي القدوة اليوم، وأين المحامي القدوة، وأين الداعية القدوة، وأين الأديب القدوة، وأين المعلم القدوة، وأين العامل القدوة وأين الصحفي القدوة وأين.. وأين..؟!
إننا - ونحن في شهر المولد النبوي الشريف - بأشدّ الحاجة إلى إعادة تجديد العلاقة مع النبي القدوة صلى الله عليه وصحبه وسلم بشكل عملي وسلوكي وأخلاقي، وليس بطريقة (لسانية جوفاء) لا تعطي المجتمع إلّا بعض الأناشيد وزخرف الكلام، وصدق رسول الله صلى الله عليه وصحبه وسلم حين حذّرنا فقال (أنا فرَطُكم على الحوضِ وليختلجنَّ رجالٌ دوني فأقولُ: يا ربِّ أصحابي، فيقال: إنك لا تدْري ما أحدَثوا بعدك)..؟!

bahaasalam@yahoo.com