ما المغزى من القتل وسفك الدماء والظلم والجرائم على هذه الكرة الأرضية، والله تعالى عنده علم مسبق بما سيحصل من هكذا أفعال شنيعة وقبيحة؟!
هذا السؤال من أقدم وأصعب الأسئلة التي طرحتها البشرية:
لماذا يوجد الشر، والقتل، والظلم، مع أن الله تعالى عليمٌ قديرٌ رحيم؟!
وهو سؤال يطرحه حتى الأنبياء، كقول نبي الله موسى: «أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟، وكقول الملائكة: «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟».
دعونا نشرح لكم المغزى من وجود الشر والظلم من خلال نقاط متدرجة، من باب التخفيف لا التبرير:
1. الله لم «يوافق» على الشر، بل أذن بوجوده لحكمة:
الله لم يأمر البشر بالظلم، بل حرّمه على نفسه وجعله محرّماً بينهم، لكنه أعطى الإنسان حرية الإرادة ليختار بين الخير والشر، وجعل له عقلاً وشرعاً ونبياً.
قال تعالى: {وهديناه النجدين} [البلد:10] أي طريقي الخير والشر.
إذن، وجود الشر نتيجة لاختيار الإنسان الحر، وليس موافقة إلهية عليه.
2. الحياة الدنيا ليست دار جزاء، بل دار امتحان وابتلاء:
الله خلق الدنيا دار اختبار مؤقتة، ليُميّز الصادق من الكاذب، والظالم من العادل، والمؤمن من الكافر.
قال تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً} [الملك:2] والبلاء لا يُصيب فقط الظالمين، بل يُصيب الصالحين ليُطهّرهم أو يرفع درجاتهم، كما في حال الأنبياء.
3. الشر مؤقت والحساب قادم:
نحن نرى اليوم قتلاً ودماراً وظلماً، ولكننا لا نرى الصورة الكاملة.
الله وعد بالعدل التام في الآخرة، حيث يُحاسب الظالم ويُكافأ المظلوم.
{ولا تحسبن الله غافلاً عمّا يعمل الظالمون} [إبراهيم:42].
وقد تكون ساعة موت الظالم أشدّ من آلاف ساعات جرائمه. وآهات المظلومين لا تضيع عند الله.
4. من رحم الألم يولد الخير أحياناً:
كثير من المصائب في ظاهرها شر، ولكن في باطنها حكم عظيمة.
كم من مريض تقرّب إلى الله بعد مرضه؟
وكم من مظلوم أصبح سبباِ لهداية أُمم؟
قال تعالى: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم} [البقرة:216].
5. علم الله ليس موافقة أبداً على الفعل!
الله يعلم ما كان وما يكون، لكنه لا يُجبر الإنسان على الفعل.
كأنك تعرف أن ابنك لو أعطيته سكيناً سيؤذي نفسه، ولكنك أيضاً علمت أنه بحاجة لتجربة لكي يتعلّم وتوجّهه بعدها.
فالله يعلم أفعال الخلق لكنه يمهلهم لا يهملهم.
6. المغزى النهائي: الاختبار والرجوع إلى الله:
القتل والظلم يفضح خبث النفوس، ووجود هذه الأفعال يُظهر من يصب، ومن يتوكل، ومن يثور للحق، ومن يرضى بالباطل.
كل ذلك يُصنع أمام أعيننا لتكون الدنيا مرآة لحقيقة كل إنسان.
7. أملٌ في العدل الإلهي الكامل:
لولا وعد الله بالآخرة، لكان وجود الشر دليلاً على الفوضى.
لكن بما أن الحساب قادم ، فوجود الشر دليلٌ على عدل الله لا ظلمه، لأن به يُظهر صدق وعده بالقصاص.
ختاماً، وجود الشر ليس لأنه «حَسَن» بل لأنه مَسموح به مؤقتاً في عالم الامتحان، وسيُحاسب كل فاعل عليه. ولو كانت الحياة كلها خيراً، لأصبحت الجنة بلا معنى.
أدعوكم لتتأمّل قول الله تعالى: {إنما يُوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب}، {وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون}.
د. مروان بدر