إسرائيل والإمبراطورية الجديدة في الشرق الأوسط
شهد العالم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين أشكالاً متعددة من الإمبراطوريات الغربية التي فرضت سيطرتها على مناطق واسعة من العالم عبر الاحتلال المباشر والإدارات الاستعمارية والقواعد العسكرية. ومع انهيار معظم هذه الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الثانية، بدا وكأن عصر التوسّع الإمبراطوري قد انتهى. غير أن تطورات العقود الأخيرة في الشرق الأوسط تدفع إلى التساؤل عما إذا كانت المنطقة تشهد اليوم شكلاً جديداً من الهيمنة يختلف في أدواته عن الإمبراطوريات التقليدية، لكنه لا يقلّ عنها تأثيراً.
لا تملك إسرائيل مستعمرات رسمية كما كانت الحال في الإمبراطوريات الأوروبية القديمة، ولا تدير الدول العربية المجاورة بصورة مباشرة. لكنها استطاعت خلال أقل من ثمانية عقود أن تتحوّل إلى القوة العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية الأكثر تفوّقاً في المنطقة، وأن تصبح لاعباً أساسياً في رسم موازين القوى الإقليمية والدولية.
ويستند المشروع الصهيوني منذ نشأته إلى رواية تاريخية ودينية تعتبر أن لليهود حقاً تاريخياً في أرض إسرائيل التوراتية. وقد بقيت هذه الفكرة حاضرة بدرجات متفاوتة في بعض التيارات السياسية والدينية الإسرائيلية التي تنظر إلى حدود الدولة الحالية باعتبارها مرحلة من مراحل مشروع تاريخي أوسع.
ومن الناحية التاريخية، تشير الوثائق التي قدمتها الحركة الصهيونية إلى مؤتمر باريس للسلام عام 1919 إلى أن بعض قادتها، وفي مقدمتهم حاييم وايزمن، طالبوا بحدود شمالية للدولة اليهودية المقترحة تشمل حوض نهر الليطاني أو أجزاء أساسية منه. ولم يكن الأمر مرتبطاً بالاعتبارات الأمنية وحدها، بل أيضاً بأهمية المياه بالنسبة للمشروع الصهيوني الناشئ. وقد تضمنت بعض الخرائط والمذكرات الصهيونية آنذاك ضم منطقة الليطاني إلى الدولة المقترحة بحيث تصبح مياه النهر ضمن مواردها الاستراتيجية. ورغم أن هذه المطالب لم تعتمدها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وتم لاحقاً ترسيم الحدود بين لبنان وفلسطين تحت الانتدابين الفرنسي والبريطاني سنة 1923 وتعرف باسم بوليت نيوكومب (Paulet – Newcombe Agreement)، فإنها بقيت حاضرة في النقاشات التاريخية المتعلقة بالأهداف الاستراتيجية للحركة الصهيونية.
لكن ما يميّز التجربة الإسرائيلية ليس القوة العسكرية وحدها، بل قدرتها على بناء منظومة متكاملة من النفوذ السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والمالي والإعلامي.
ففي الولايات المتحدة نجحت إسرائيل في بناء شبكة دعم سياسية واسعة تضم جماعات ضغط ومنظمات مؤيدة لها، يُعتبر «إيباك» (American Israel Public Affairs Committee - AIPAC) أبرزها. وقد ساهمت هذه المنظمات في ترسيخ الدعم الأميركي لإسرائيل داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بالتوازي مع التعاون العسكري والاستخباراتي العميق بين البلدين. كما تستفيد إسرائيل من دعم قطاعات واسعة من المسيحيين الإنجيليين الذين ينظرون إلى قيامها من منظور ديني وعقائدي.
أما في أوروبا وأميركا الشمالية، فإن الذاكرة التاريخية للمحرقة النازية وما سبقها من قرون الاضطهاد ضد اليهود خلقت حساسية خاصة تجاه معاداة السامية. وقد أدى ذلك إلى نشوء بيئة سياسية وإعلامية تتعامل بحذر شديد مع الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، الأمر الذي وفر لها هامشاً واسعاً من الدعم والتفهم في العديد من العواصم الغربية.
ولم يقتصر النفوذ الإسرائيلي على السياسة والدبلوماسية، بل امتد إلى الاقتصاد والمال والتكنولوجيا. فقد أصبحت إسرائيل مركزاً عالمياً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية، واستطاعت بناء شبكة واسعة من العلاقات الاستثمارية والاقتصادية مع الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا. وبذلك تحولت القوة الاقتصادية والتكنولوجية إلى أحد أهم عناصر نفوذها الدولي.
وفي المقابل، شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة سلسلة من الأزمات والحروب والانقسامات التي أدّت إلى إضعاف عدد من الدول المركزية في المنطقة. فقد تعرّض العراق بعد عام 2003 لتحوّلات عميقة أدّت إلى تراجع دور الدولة المركزية وصعود الانقسامات السياسية والطائفية والقومية بين مكوناته الرئيسية. ورغم بقاء العراق دولة موحّدة من الناحية القانونية، فإن واقعه السياسي والأمني أصبح مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل ذلك، وتراجعت قدرته على لعب الدور الإقليمي الذي اضطلع به لعقود.
أما سوريا، فقد أدّت الحرب الاهلية التي اندلعت عام 2011 إلى تدمير واسع للبنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة، وإلى ظهور مناطق نفوذ متعددة تخضع لتأثير قوى محلية وإقليمية ودولية مختلفة. وأصبحت البلاد عملياً ساحة لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، الأمر الذي أضعف السلطة المركزية وأعاد طرح أسئلة تتعلق بوحدة الدولة ومستقبلها.
وفي خضم هذه التحوّلات، برز الدور الإسرائيلي بصورة أكثر وضوحاً. فقد نفذت إسرائيل مئات الضربات العسكرية داخل الأراضي السورية، وسعت إلى منع تمركز قوى تعتبرها معادية بالقرب من حدودها. كما أثارت مواقفها المتعلقة ببعض الأقليات السورية، ولا سيما الدروز، نقاشاً واسعاً في المنطقة. فبينما تقدم إسرائيل هذه السياسة على أنها تعبير عن اهتمامها بأمن هذه الجماعات، يرى منتقدوها أنها تندرج ضمن استراتيجية أوسع تقوم على بناء علاقات وتأثيرات داخل المكونات المحلية للدول المجاورة.
ويرى بعض الباحثين أن أحد عناصر التفوّق الإسرائيلي تمثل في الاستفادة من حالة التشرذم والانقسام التي أصابت المنطقة. فالدول المنشغلة بأزماتها الداخلية وصراعاتها الطائفية والمذهبية والعرقية تفقد تدريجياً قدرتها على المنافسة أو المواجهة أو بناء مشاريع تنموية مستقلة. ومن هنا يعتقد هؤلاء أن تفكك البيئة العربية والإقليمية شكّل عاملاً مساعداً في ترسيخ التفوق الإسرائيلي.
ويذهب أصحاب هذه المقاربة إلى أن الصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية التي شهدتها بعض دول المنطقة لم تكن مجرد أزمات داخلية عابرة، بل تحوّلت إلى أحد أهم عوامل إعادة رسم الخريطة السياسية للمشرق العربي. فالدول التي كانت تمثل في الماضي مراكز قوة إقليمية أصبحت منشغلة بصراعاتها الداخلية، فيما تراجع مفهوم العمل العربي المشترك لصالح أولويات محلية وأمنية ضيقة.
كما يلفت هؤلاء إلى أن الصراعات الحديثة لم تعد تقتصر على الأرض والحدود، بل تشمل أيضاً المياه والطاقة والاقتصاد. ويُستشهد في هذا السياق بالخلاف المستمر حول سد النهضة الإثيوبي وما يثيره من مخاوف لدى مصر والسودان بشأن أمنهما المائي. فالمياه بالنسبة لهذين البلدين ليست مجرد مورد اقتصادي، بل هي شريان الحياة ذاته. ويرى أصحاب هذه المقاربة أن انشغال الدول العربية بصراعات داخلية وإقليمية متعددة يضعف قدرتها على التعامل الجماعي مع التحديات الاستراتيجية الكبرى.
ومن خصائص النفوذ في القرن الحادي والعشرين أن إضعاف الخصوم قد يكون أحياناً أكثر أهمية من تعزيز القوة الذاتية. فالحروب الطويلة والأزمات الاقتصادية والاضطرابات السياسية تستنزف الموارد البشرية والمالية للدول، وتؤدي إلى تراجع قدرتها على المنافسة والتأثير. والنتيجة النهائية كانت اختلالاً متزايداً في ميزان القوى الإقليمي لصالح إسرائيل.
وفي هذا السياق، عاد الجدل حول جنوب لبنان إلى الواجهة. فالبعض يرى أن الاحتلال الإسرائيلي المتكرر لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وما رافقه من تدمير واسع للقرى والبنى التحتية وتهجير السكان، لا يمكن فصله عن سياق تاريخي أطول يعود إلى بدايات المشروع الصهيوني ومطالبه الحدودية الأولى.
ويستشهد أصحاب هذه المقاربة بما ورد في الدراسات التي تناولت الخطة «دالت» (Plan Dalet) التي وضعتها القيادة العسكرية اللهاغاناه في ربيع عام 1948. فقد اعتبر المؤرخ الفلسطيني الدكتور وليد الخالدي أن تنفيذ هذه الخطة ارتبط في العديد من المناطق الفلسطينية بإفراغ القرى العربية من سكانها وتدمير عدد كبير منها، كما رأى المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه «التطهير العرقي في فلسطين» أن الخطة دالت شكّلت الإطار العملياتي الذي استخدم لتنفيذ عملية واسعة النطاق أدّت إلى تهجير أعداد كبيرة من الفلسطينيين وإحداث تغيير ديموغرافي جذري في فلسطين.
وقد وثّق وليد الخالدي في كتابه المرجعي «كي لا ننسى» (All That Remains) مصير مئات القرى الفلسطينية التي أُخليت من سكانها أو دُمّرت خلال حرب 1948، كما رأى المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه في كتابه «التطهير العرقي في فلسطين» أن تلك العمليات لم تكن مجرد نتائج جانبية للحرب، بل جزءاً من سياسة هدفت إلى خلق واقع ديموغرافي جديد. وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لأنها تصدر عن مؤرخين ينتميان إلى خلفيتين قوميتين مختلفتين، وإن اختلفت قراءتهما لبعض التفاصيل والأحداث.
ورغم استمرار الجدل بين المؤرخين حول تفسير هذه الأحداث، فإن هناك اتفاقاً واسعاً على أن حرب 1948 أدّت إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير أو إخلاء مئات القرى العربية.
ومن هنا يرى كثير من اللبنانيين أن مشاهد القرى المدمرة في الجنوب اللبناني وما رافقها من نزوح واسع للسكان تستدعي إلى الأذهان تجارب تاريخية سابقة في المنطقة. وهم يتخوفون من أن يتحول التهجير المؤقت إلى واقع طويل الأمد، أو أن يؤدي تدمير القرى والبنية العمرانية إلى تغييرات ديموغرافية وجغرافية يصعب عكسها مستقبلاً.
وفي المقابل، نجحت إسرائيل في إقامة علاقات طبيعية أو تفاهمات استراتيجية مع عدد من الدول العربية المؤثرة. فقد وقّعت مصر معاهدة سلام منذ عام 1979، وانضمت إليها دول عربية أخرى عبر اتفاقات أبراهام، فيما أصبحت أولويات الأمن والتنمية والاقتصاد لدى العديد من الحكومات العربية تتقدم على أولويات الصراع العربي - الإسرائيلي التقليدي.
وقد لعبت الولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا التحول. فالدعم العسكري والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي الذي وفرته واشنطن لإسرائيل على مدى عقود منحها تفوقاً نوعياً على جميع جيرانها، وساعدها على ترسيخ موقعها كأقوى دولة في المنطقة.
ويبقى السؤال المطروح: هل نجحت إسرائيل في بناء نموذج جديد من الهيمنة لا يعتمد على الاحتلال المباشر كما فعلت الإمبراطوريات القديمة، بل على مزيج من القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي والنفوذ المالي والاقتصادي والدبلوماسي، مع الاستفادة من الانقسامات والصراعات التي تعصف بمحيطها الإقليمي؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستظل موضع جدل بين المؤرخين والباحثين. لكن المؤكد أن إسرائيل نجحت، أكثر من أي دولة أخرى في الشرق الأوسط، في تحويل عناصر القوة العسكرية والسياسية والاقتصادية والتكنولوجية إلى منظومة نفوذ متكاملة تركت أثراً عميقاً في مسار المنطقة خلال العقود الأخيرة.






