لا تبدو صورة الموقف الحاضر في المجالس والاجتماعات واللقاءات والزيارات الداخلية والخارجية محملاً بنوبات تفاؤل أو رجاء من أن تتمكن الجولة المقبلة من المفاوضات الثلاثية»: اللبنانية - الاسرائيلية - الأميركية المباشرة من وضع تفاهمات حصلت أو يمكن أن تحصل تخدم الأهداف المعلنة للتفاوض من جانب لبنان، والتي هي نفسها الأهداف المعلنة من المقاومة المسلحة على الأرض، والتي تختلف مع الدولة اللبنانية على الأسلوب والمنهج.
وبين طاولة التفاوض في مبنى البنتاغون (مقر وزارة الحرب الأميركية) أو مبنى الخارجية الأميركية وإشراف مباشر من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يستحضر في أدائه كرئيس لأكبر دولة على الأرض، في أيامنا هذه، شخصيات مضت على مسرح التاريخ من الإسكندر، الى هنيبعل، الى شارلمان الفرنسي، وبسمارك وتشرشل، وستالين، وموسوليني من دون أن يتمثل بأي رئيس لبلاده ، مع حملات، بمناسبة أو بغير مناسبة على جو بايدن سلفه، أو الرئيس الآتي من افريقيا الفقيرة باراك حسين أوباما الذي يتهمه ترامب، دائماً، بأنه وقَّع اتفاقاً لتمكين إيران من الحصول على قنبلة نووية، أو تحويل تخصيب اليورانيوم الى مستويات، تجعل من الجمهورية الإسلامية الإيرانية دولة نووية للاستخدام السلمي وغير السلمي..
إذاً بين طاولة التفاوض والميدان الجنوبي المفتوح على الخيارات كلها، سواءٌ بمواجهة التمدُّد البري الاسرائيلي، أو القصف المدفعي، أو حتى الغارات المدمِّرة، والمسيِّرات التي تقتنص رجال الأطفاء والمسعفين وجنود الجيش اللبناني وضباطه ورتبائه ورجال قوى الأمن والأمن العام، وصولاً الى الموظفين في دوائر الكهرباء، والمياه، والهاتف، الذين يعملون على الحدّ من الأضرار والخسائر، وتوفير ما يلزم من خدمات للمستشفيات العاملة ومؤسسات الدولة التي نجت لتاريخه من الغارات والقصف..
ولئن كان لبنان المفاوض، والجهات المقاومة، سواءٌ حزب الله أو بعض حلفائه من الأحزاب «الوطنية والقومية».
بالعبارات القديمة التي لم تعد مألوفة أو مستساغة، لا يلتقيان في إطار جهد واحد للتوصل الى نتائج تفيد إبعاد الخطر الصهيوني، المحدق جدياً، ليس بالسيادة اللبنانية، بل «بالأرض الجنوبية»، وحصراً بأرض الجنوب وأرضه الخصبة، وترابه ومياهه، وموقعه الملاصق للبحر الأبيض المتوسط، امتداداً شرقاً باتجاه جبل حرمون ومرتفعات جبل الشيخ المطلة على فلسطين والأردن وسوريا، بما في ذلك بحيرة طبرية.. فإن عدم الإلتقاء، لا يعني إضعافاً للموقف اللبناني، وحسب بل لتعزيز مقومات الصمود الكفيلة وباستيلاء وحدة داخلية، تعتبر اسرائيل ما تزال العدو، فإن انقاذ لبنان، ليس هدفاً للمزايدات، أو المبارزات، بل علّة لوجوده واستمراره كبلد لجميع أبنائه من اللبنانيين، بصرف النظر عن الإنتماء المناطقي أو المذهبي أو الطائفي، أو أي شيء من هذا القبيل..
ومن المحتمل الى درجة كبيرة أن تكون دعوة الرئيس نواف سلام حزب الله لدعم عملية التفاوض لتخليص البلد، والذهاب باتجاه اعادة الإندماج بمشروع الدولة، بوصفها المظلة الشرعية المدعومة دولياً وعربياً وإقليمياً..
ومع أن المفاوض اللبناني بدبلوماسييه وضباطه وطاقمه الإداري يفاوض بحرفية وشراسة في سبيل حمل الاحتلال الاسرائيلي على قبول وقف النار، ووقف عدوانه، والتسليم بحدود لبنان وسلامة أراضيه، فإنه من غير الممكن، أو الواقعي عدم أخذ ما يترتب على التفاهم الأميركي - الإيراني من نتائج، قد تساهم على نحو، لا لبس فيه، في الحدّ من الإندفاعة العدوانية الإسرائيلية، باتجاه قضم ما أمكن من أرض لبنانية في مدن الجنوب وبلداته وقراه الصامدة والبطلة» التي تواجه بقوة الإنتماء، وإرادة المقاتلين التي لا تلين الهجمات القبيحة للعدوان الاسرائيلي..
مع التحولات الجارية، آن الأوان، لتوليد خطاب، لا يسمح لدولة العدوان بالاستفادة من الثغر الداخلية.. والعزف على مقولة باهتة وعدوانية، من أن دولة إقليمية، تسعى الولايات المتحدة لعقد اتفاق وتفاهمات معها، هي إيران، والنظر إليها كجهة تسعى «لاحتجاز مستقبل لبنان كرهينة» فالخطر قبل إيران أو سواها بأتي من الإحتلال والحرب الإسرائيلية، قبل أي شيء آخر...
وأياً تكن الترتيبات بين الرؤساء الثلاثة، أو الدولة وحزب الله، فالمصالح العليا للدولة اللبنانية، تكمن بـ «وقف النار أولاً، وتجهيز الجيش للتموضع في النقاط التي كان يستغلها، وتحفيز الجنوبيين لتنظيم المسيرة الكبرى، باتجاه النبطية وأقضيتها وبلداتها، تمهيداً لعبور النهر باتجاه استرجاع الوضع الذي كان سائداً قبل 2 آذار..
وقبل ما يسمى «باتفاق شامل للأمن والسلام» على اللبنانيين قراءة هادئة في مسار حروب الجنوب من أيام المقاومة الفلسطينية الى مقاومة حزب الله، وعدم التفريط بعناصر القوة من صلابة التفاوض الى صلابة الميدان!