القاضي م. جمال الحلو
في دولةٍ بعيدة تُدعى كونكان الديمقراطية، كان الناس يتغنّون بالعدالة كما يتغنّون بالأوطان، ويعتقدون أن القضاء فيها حصنٌ منيعٌ لا تنال منه الأهواء، وأن ميزان الحق لا يميل إلّا للحقيقة. غير أن الأيام كثيراً ما تخفي تحت الألقاب البرّاقة وجوهاً أخرى، وتستر خلف الشعارات اللامعة حقائق لو انكشفت لارتجفت لها الأبدان.
وفي حقبةٍ سوداء من تاريخ تلك الدولة، صعد إلى أعلى المناصب القضائية رجلٌ يدعى غدّار السقيم. وكان الناس يتداولون وصفاً لازم اسمه أينما ذُكر؛ إذ كان أصفر الوجه على نحوٍ يثير الريبة، حتى جرى على ألسنة الحكماء قولهم:
«احذروا صفر الوجوه بغير علّة، فإن للسرائر ألواناً قد تفيض على الوجوه».
ولم تمضِ السنون حتى صدقت الفراسة.
فقد حوّل غدّار السقيم محراب العدالة إلى سوقٍ للمساومات، وجعل من القضاء تجارةً رابحة، تُباع فيها الأحكام وتُشترى الضمائر. فكان يقلب الأبيض أسوداً إذا تدفقت عليه الأموال، ويحوّل الأسود إلى لونٍ فاقعٍ يسرّ الناظرين إذا امتلأت يداه من الرشاوى. ولم يعد الحق حقاً، ولا الباطل باطلاً، بل أصبحت قيمة القضايا تُقاس بما يُدفع فيها لا بما يثبت فيها.
لكن الرشوة لم تكن سوى أول أبواب الفساد.
فقد أحاط نفسه بشلّةٍ من القضاة المنتفعين الذين اختارهم على عينه، لا لكفاءةٍ أو نزاهة، بل لولائهم له واستعدادهم للسير في دروب الانحراف. فأصبحوا أدواته التي يبطش بها، وأذرعه التي تمتد حيث يشاء.
ثم انقلبوا جميعاً على القضاة الشرفاء الذين أبوا أن يبيعوا ضمائرهم أو ينحنوا لعاصفة الفساد.
فراحت تُركّب الملفات تركيباً، وتُنسج الأكاذيب نسجاً، وتُنصب الشراك نصباً. وإذا برجلٍ نزيه يُتّهم بما لم يفعل، وإذا بصاحب سيرةٍ بيضاء يُلاحق بالافتراءات، وإذا بقاضٍ شريف يُحاصر في رزقه ورزق عياله لأنه رفض أن يكون شاهد زورٍ في مسرحية الباطل.
ولم يكن غدّار السقيم يكتفي بإيذاء خصومه، بل كان يجد في ظلمهم متعةً خبيثة، وفي إذلالهم نشوةً مريضة. وكلما ازداد بطشاً، ازداد غروراً، حتى خُيّل إليه أن المنصب قد جعله فوق الحساب، وأن السلطة قد منحته حصانةً من عقاب السماء قبل عقاب الأرض.
ومع مرور الأيام، تراكمت الأموال الحرام بين يديه حتى فاضت خزائنه بما لم يكن يحلم به. فشيّد القصور، ووسّع الأملاك، وملأ الحسابات، وظن أن المال قادرٌ على شراء كل شيء؛ الذمم، والولاءات، والسكوت، والنسيان.
لكنه نسي حقيقةً كبرى لا يغفل عنها إلّا المغرورون.
نسي أن للظلم أجلاً.
ونسي أن دعوة المظلوم لا تسقط بالتقادم.
ونسي أن الذين سبقوه كانوا أشدّ منه قوةً وأكثر منه نفوذاً، ثم صاروا عبرةً تتناقلها الأجيال.
نسي أولئك الذين جمعوا الحرام فبدّدته الأيام، والذين تجبّروا فأذلّهم لله، والذين ظلموا الناس فأصابهم من البلاء في صحتهم وسيرتهم وأعقابهم ما جعل أسمائهم عنواناً للخسران.
وكان يظن أن الزمن قد صالحه، وأن الحساب قد نسيه..
غير أن السنن الإلهية لا تنام.
فبينما كان غدّار السقيم يزداد اطمئناناً إلى سلطانه، كانت نهايته تُنسج خيوطها في صمت. وما هي إلّا سنوات حتى بدأت الأقنعة تتساقط، وتهاوت الصور المصطنعة، وانكشف المستور من أمره. وتفرّق عنه المنتفعون الذين أحاطوا به يوم كانت الموائد عامرة، فلم يبق معه عند الشدائد أحد.
وتحوّلت الثروة التي جمعها إلى حسرة، والنفوذ الذي تباهى به إلى عبء، والسطوة التي أرعب بها الناس إلى ذكرى كئيبة.
وهكذا كانت آخرة غدّار السقيم وخيمةً كما تكون عاقبة كل من ظن أن بإمكانه أن يخدع العدالة إلى الأبد.
فما من ظلمٍ إلّا وله ساعة انكسار.
وما من باطلٍ إلّا وله يوم سقوط.
وما من مالٍ حرامٍ إلّا ويترك في صاحبه أثراً من الشقاء لا تمحوه كنوز الدنيا كلها.
أما كونكان الديمقراطية، فقد بقيت تروي للأجيال قصة ذلك القاضي الذي باع العدالة واشترى الفساد، ليعلم الناس أن أخطر ما يصيب الأمم ليس فقر المال ولا قلّة الموارد، بل انهيار ميزان الحق في أيدي من أُوكل إليهم حمله.
فإذا فسد القضاء ضاعت الحقوق.
وإذا ضاعت الحقوق اهتزّ بنيان الدولة.
وإذا صار الحكم سلعةً تباع وتشترى، صار الخراب قدراِ يطرق الأبواب من كل اتجاه.
وتلك سنّة لله في خلقه، لا تتبدّل ولا تتحوّل، ولو بعد حين.