8 حزيران 2026 12:05ص لبنان بين حدَّي التفاوض الضروري والشروط الوطنية المطلوبة

حجم الخط
لم يعد من مجال بعد التطورات العسكرية والسياسية خلال الأشهر الماضية، وبعد الضغوط والتدخّلات الأميركية، اللهروب من موضوع التفاوض مع كيان الاحتلال لوضع حدّ نهائي للحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، ولو ان شروط هذا التفاوض غير متكافئة حتى الآن بين لبنان وكيان الاحتلال، ولو ان لبنان الرسمي حدّد ثوابت قال انه لن يتراجع عنها، لكنها لا تشكّل وزناً بالميزان الإسرائيلي والأميركي أيضاً. ذلك ان الاحتلال الإسرائيلي يعتبر انه حقق «انتصارات أو إنجازات ميدانية» تؤهّله للتفاوض بشروط أمنية وسياسية عالية السقف، وتدعمه في هذا التوجه الإدارة الاميركية، بينما يكتفي لبنان بالاتصالات الدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة التي حققت بعض النتائج الهزيلة لجهة تأكيد أحقية مطالب لبنان بإنسحاب قوات الاحتلال على أمل أن تتسع هذه النتائج لاحقاً لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في جلستي المفاوضات الأخيرتين بين الدبلوماسيين في واشنطن.
يرى لبنان الرسمي انه يمكن البناء على ما تحقق في واشنطن الأسبوع الماضي لمراكمة مكاسب إضافية بعد «مكسب» إقرار الانسحابات المرحلية لقوات الاحتلال، مع انه لا جدول زمنياً لها ولا خريطة إخلاء مواقع أو قرى ولا أرقام لجنود العدو المفترض انسحابهم، وكان من المفروض أن يتم بدء التنفيذ بعد 24 ساعة من انتهاء اجتماعات واشنطن، لكن الاحتلال لا زال يماطل، وانسحب فقط من بلدة دبين معلناً ان انسحابه ليس من ضمن آلية الانسحاب التدريجي المتفق عليه بل نتيجة ظروف عسكرية وميدانية أجبرته على التراجع. وهنا يفترض بالوفد اللبناني المفاوض إثارة هذا الموضوع مع الراعي الأميركي المشرف على المفاوضات لمعرفة موعد الانسحابات.
الى ذلك، كسر العدو الإسرائيلي اتفاق واشنطن وتعهدات الإدارة الأميركية ورئيسها ترامب بعدم استهداف الضاحية الجنوبية، فشنّ بعد ظهر أمس، غارة من 3 صواريخ استهدفت مبنيين في ساحة المريجة بالقرب من محطة هاشم، بالضاحية الجنوبية لبيروت. وأسفرت الغارة عن سقوط العديد من الشهداء والجرحى. بحجة «استهداف صيد ثمين للحزب».
أما باقي بنود الاتفاق المعلن ببيان وزارة الخارجية الأميركية عن الاجتماعات فلم يتحقق منها شيء بعد، ما وضع لبنان بين حدّ جارح للتفاوض السياسي الذي لا بد منه، وبين حدّ الشروط الوطنية الشاملة المطلوبة والتي رفعها منذ بداية المفاوضات قبل أشهر ولم يحقق منها شيئاً كثيراً، نظراً لمواصلة الاحتلال في تنفيذ مشروعه الأمني على الأرض بدل مناقشته في المفاوضات، وهو مشروع يتضمن بنوداً يعلم الجميع انها غير قابلة للتحقق مهما طالت الحرب، وبخاصة بند جمع سلاح المقاومة، والتوجه لإقامة منطقة أمنية منزوعة السلاح وخالية من البشر والحجر واحتفاظ الاحتلال ببعض النقاط في قرى الجنوب يعتبر انها ضرورية لأمن مستوطناته، وهو أمر ألمح إليه وزراء في كيان الاحتلال الإسرائيلي وبعض السياسيين المتطرفين، حتى ان بعضهم قال علناً ان الجيش لن ينسحب من النقاط التي وصل إليها جنوب نهر الليطاني!
يبقى السؤال كيف يمكن للبنان المواءمة بين حدّ التفاوض المطلوب والمفروض، وبين تلبية مطالبه الوطنية المحقة؟
حتى الآن لا جواب واضحاً وصريحاً، ولبنان الرسمي لا يريد ولا يستطيع أن يعترف بأن المقاومة الجارية ضد قوات الاحتلال يمكن أن تكون عنصراً من عناصر قوة أوراق المفاوض اللبناني. والمعوّل عليه هو تكثيف الاتصالات الدبلوماسية والرهان على تدخّل الدول الشقيقة والصديقة مثل السعودية وقطر والإمارات التي تدخّلت خلال جولة المفاوضات الأخيرة بالضغط على الإدارة الأميركية لوقف العدوان وتحقيق ولو بعض المطالب اللبنانية. ويبدو من التوجهات التي ظهرت في الاجتماع الأخير ان الأمور مفتوحة وغير محددة بزمن ولا سقف سياسي واضح ومحدد لأن الجولة المقبلة من التفاوض رُحّلت الى 22 حزيران لمتابعة البحث. وهي مهلة طويلة بين الاجتماع والاجتماع وتمنح قوات الاحتلال الإسرائيلي مزيداً من الوقت لتنفيذ مشروعه التدميري – التهجيري للجنوب، ومواصلة الاغتيالات في الضاحية الجنوببي وربما في العاصمة بيروت أيضاً، من دون أي تدخّل أميركي يلجم هذه الاندفاعة الخطيرة، برغم الكلام عن توبيخ الرئيس الأميركي ترامب لرئيس وزراء كيان الاحتلال نتنياهو بسبب التهديد بإستهداف ضواحي بيروت.